كشف وزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيو، عن الأسباب التي دعّم من خلالها معطيات استمرار الدعم العسكري الأمريكي لنظام الانقلاب في مصر بقيادة عبد الفتاح السيسي.

وقال بومبيو: إنه شرح في أغسطس الماضي 2018، للكونجرس أسباب إفراجه عن 195 مليون دولار أمريكي من المعونة العسكرية لمصر، وذلك بعد حجبها من إدارة ترامب في وقتٍ سابق بسبب مخاوف تتعلَّق بحقوق الإنسان في مصر، في الوقت الذي تتهم فيه سلطات الانقلاب بعدد من لوائح الاتهام المشينة حول الانتهاكات الحقوقية، في ظل الإعدامات التي تتم خارج نطاق القانون والمحاكمات الجائرة، والرقابة والأجواء القمعية بشكل عام.

وقالت صحيفة “بولتيكو” الأمريكية: إن وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو أوصى في الكونجرس بعدم الاهتمام بحقوق الإنسان في مصر، ما دام الأمر يتعلق بالحلفاء الأقوياء.

وأوضحت مذكرة بومبيو غير السرية بعض هذه المصالح؛ إذ تذكر أن مصر لا تزال تتحكَّم في قناة السويس، التي تُعد نقطة عبور بالغة الأهمية.

وتذكر أن مصر أيضا “تمنح الجيش الأمريكي موافقاتٍ على عبور المجال الجوي، لأغراض الدعم المناهض للعمليات الإرهابية”. وتشير المذكرة إلى احترام مصر اتفاقية السلام مع إسرائيل، أحد أبرز حلفاء الولايات المتحدة.

ولكن أغلب صفحات المذكرة الأربع ركَّزَت على تفصيل مآسي حقوق الإنسان الهائلة. وتذكر إحدى الفقرات: «تجري عمليات الاعتقال غالباً بلا أوامر قضائية، والأوضاع في السجون ومراكز الاعتقال قاسية؛ بسبب التكدُّس والاعتداءات الجسدية، وسوء الرعاية الصحية، وسوء التهوية.

إعدامات مستمرة

وتستمر المحاكم المصرية في إصدار أحكام جماعية بالإعدام، وهي إجراءات قانونية أخفقت في أن تتماشى مع التزامات مصر الدولية تجاه ملف حقوق الإنسان».

جاء ذلك بعدما كشفت مذكرة الكونجرس لبومبيو عن أن المناخ العام لحقوق الإنسان في مصر يستمر في التدهور.

ونقلت الوثيقة، التي حصلت عليها الصحيفة الأمريكية، أن بومبيو قرر أن أولويات الأمن القومي الأمريكي ينبغي أن تتجاوز المخاوف بشأن حقوق الإنسان، حين يتعلَّق الأمر بدعم عسكري لحلفائها الأجانب، ولو على حساب الانتهاكات الحقوقية والجرائم التي يقوم بها نظام السيسي.

السعودية أيضا

الأمر نفسه تكرر مع تعامل الخارجية الأمريكية تجاه الانتهاكات السعودية في اليمن، حيث صرَّح بومبيو للكونجرس بأن التحالف بقيادة السعودية، الذي يحارب الحوثيين المدعومين من إيران في اليمن، يقوم بما يكفي لحماية المدنيين، مُمَهِّدا الطريق لبقاء الدعم اللوجيستي المقدَّم من الولايات المتحدة إلى السعودية.

ومع ذلك جاء القرار رغم تقرير الأمم المتحدة الذي يدَّعي أن السعودية ترتكب جرائم حرب في اليمن، وسط تصاعُدِ غضبٍ حزبيٍّ داخل الكونجرس حول ما تقوم به السعودية.

وكشفت صحيفة “وول ستريت جورنال” عن أن قرار بومبيو بشأن اليمن قد يكون متعلقا بمخاوف من أن التخلي عن السعودية قد يؤثِّر سلبا على مبيعات الأسلحة الأمريكية، وهو ما نفاه بومبيو.

إلا أنه تجاه مصر أكد أن نظامها الحالي حليف رئيسي للولايات المتحدة الأمريكية لطالما كانت مصر حليفا رئيسيا للولايات المتحدة، حتى بعد الانقلاب العسكري الذي قاده وزير الدفاع المصري آنذاك عبد الفتاح السيسي.

وتمنح الولايات المتحدة مصر معونةً عسكريةً بقيمة 1.3 مليار دولار أمريكي، لتأتي ثانيةً بعد إسرائيل.

المصالح الأمريكية أهم

وبحسب الصحيفة الأمريكية، فإن إدارة ترامب ليست الأولى التي تغض الطرف عن حقوق الإنسان؛ لأنها تؤمن بأن مصالحها الاستراتيجية على المحك. مع استثناءاتٍ نادرة ومؤقتة، لطالما تجاهَلَ الجمهوريون والديمقراطيون في إدارة ترامب، على مدار عقودٍ من الزمن، ملف حقوق الإنسان في مصر، فقط لاستمرار تدفق المعونة إلى مصر حتى تبقى حليفةً لهم.

وكان أول وزير خارجية بإدارة ترامب، ريكس تيلرسون، قد قام بحجب المعونة العسكرية إلى مصر، وقيمتها 195 مليون دولار أمريكي، مستندا إلى القانون.

ورغم سياسات نظام الانقلاب وجرائمه التي تنتهك حقوق الإنسان، فإن أمريكا تدعمه بحسب الصحيفة الأمريكية، التي أشارت إلى أن السيسي أثار غضب تيلرسون حين فَرَضَ قانونا يُقيِّد منظمات المجتمع المدني بشدة، وأُثيرَ غضب تيلرسون كذلك من أن مصر لا تقوم بالعمل الكافي حتى تنأى بنفسها عن المقارنة بكوريا الشمالية.

وأوضحت أن تيلرسون لم يكن سعيدا بالملاحقات القانونية للعشرات ممن يعملون في منظماتٍ غير حكومية تدعو إلى الديمقراطية وأغراض أخرى، وشملت وقتها قائمة المتهمين 17 أمريكيا، وحوكم أغلبهم غيابيا.

وكان القرار مفاجئا وخصوصا بعد تودُّد ترامب للسيسي، واصفا الأخير بأنه «شخصٌ رائع».

وقلَّل تيلرسون نفسه من أهمية الترويج للقيم الأمريكية خارج حدود الولايات المتحدة. ولكن قرار حجب المعونة كان له تأثيرٌ بعض الشيء؛ إذ تقرَّر الإعداد لمحاكمةٍ جديدة لعاملي المنظمات غير الحكومية، على سبيل المثال.

رفض تيلرسون أن يصدر قرارا ضروريا بحكم القانون الأمريكي للسماح بتقديم المعونة بقيمة 195 مليون دولار، وفي مذكرة بومبيو الأخيرة للكونجرس، قال إنه لا يستطيع أيضا إصدار القرار.

وقالت الصحيفة الأمريكية، إن ما قام به بومبيو هو أنه استفاد من نص قانوني يسمح له بتجنب الحاجة للقرار وفقا لمقتضيات الأمن القومي الأمريكي.

ويخشى بعض المراقبين من أن يكون تحرُّك بومبيو بالإفراج عن المعونة مُتسرِّعا، وأن مصر سوف تزداد جرائم الانقلاب فيها خلال الفترة القادمة، خاصة مع الحكم بإعدام 20 شابا مصريا ورفض الطعن المقدم منهم في محكمة النقض.

وقال أندرو ميلر، نائب مدير منظمة مشروع الديمقراطية بالشرق الأوسط، التى تسعى لتمكين نشطاء ديمقراطيين في المنطقة: «الرسالة التي تمحوها مصر هي أنهم غير مضطرين إلى أخذ هذه القضايا بجدية، ولن تُخضِعها الولايات المتحدة للمساءلة فيما يخص انتهاكات حقوق الإنسان، وفي نهاية المطاف ستقوم الولايات المتحدة بكل ما هو ممكن حتى تمنح مصر المعونة؛ لأنها ترى مصر عنصرا أساسيا لمصالحها الأمنية».

Facebook Comments