لا يعرف أحد بالتفصيل ماذا يدور في الكنيسة الأرثوذكسية بمصر، بعد حوادث القتل والانتحار التي طالت عددا من رهبان الأديرة، في ظل حالة التعتيم التي يفرضها البابا تواضروس بطريريك الكرازة المرقسية وبابا الإسكندرية، بعد أن أمر بإغلاق جميع صفحات مواقع التواصل الاجتماعي للرهبان، ومنع أي تصريحات صحفية، حول الأزمة الأخيرة، لتتوالى عمليات الانتحار والقتل دون فهم ما يحدث بالداخل.

كانت البداية حينما أحالت نيابة الإسكندرية، وائل سعد وهو راهب معزول كان يعرف كنسيا باسم “أشعياء المقاري” والراهب ريمون رسمي منصور المعروف كنسيا باسم “فلتاؤس المقاري” إلى محكمة جنايات مدينة دمنهور في محافظة البحيرة المجاورة بتهمة القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد “قتل الأنبا إبيفانيوس أسف ورئيس دير أبو مقار بضربه على الرأس من الخلف ثلاث مرات بماسورة حديد داخل الدير يوم 29 يوليو الماضي”. وهي القضية التي هزت المجتمع القبطي في مصر.

ويقع دير أبو مقار في منطقة وادي النطرون بمحافظة البحيرة، ويبعد نحو 110 كم شمال غربي القاهرة.

وحاول المتهم الثاني الراهب “فلتاؤس المقاري” الانتحار هذا الشهر بعد تجريد زميله من الرهبنة وقام بقطع شرايين يده وإلقاء نفسه من فوق بناية بدير أبو مقار قبل أن ينقل لمستشفى في القاهرة في حالة حرجة لتلقي العلاج.

أشعياء المقاري اعترف خلال التحقيقات التي أجرتها النيابة بقتل الأنبا إبيفانيوس أسف ورئيس دير أبو مقار بضربه على الرأس من الخلف ثلاث مرات بماسورة حديد داخل الدير يوم 29 يوليو الماضي.

وشاركه الراهب فلتاؤس القتل بالانتظار بعيدا عن مكان الجريمة ومراقبة الموقع لتحذيره في حال قدوم أي شخص.

إجراءات صارمة

ودفع مقتل الأنبا إبيفانيوس (64 عاما) الكنيسة القبطية الأرثوذكسية إلى فرض إجراءات صارمة جديدة تتعلق بالرهبنة، خاصة وأن المسيحيين في مصر يشكلون نحو 10 بالمائة من سكانها البالغ تعدادهم نحو 100 مليون نسمة.

ودفعت القضية البابا تواضروس الثاني بابا الإسكندرية، وبطريرك الكرازة المرقسية، إلى بدء إجراءات شاملة للتصدي لما وصفته بعض الشخصيات المسيحية بأنها انتهاكات لمبادئ الزهد والعفاف، وتشمل الإجراءات تجميد قبول رهبان جدد، وحظر مغادرة الرهبان للأديرة من دون إذن رسمي ومنع استخدام رجال الدين لوسائل التواصل الاجتماعي.

ومنذ ذلك الحين، أغلق البابا تواضروس الثاني ورجال دين آخرون حساباتهم على مواقع التواصل الاجتماعي.

وضربت الانشقاقات الكنيسة المصرية، حتى إن بعض الرهبان أعلنوا انشقاقهم عن الكنيسة، ومن بينهم الراهِب المشلوح (المطرود) يعقوب المقاري الذي انفصل عن الكنيسة القبطية يوم 4 سبتمبر 2018، بعدما تم تجريده من الرهبنة، وأثار شلحه ضجَّة كبيرة، لأن الإعلان رافقه تداولُ أنباء عن نيّته تأسيس كنيسة جديدة مُنشقّة، وأنه سوف يُنصِّب نفسه بطريركاً لها، كما ظهرت صوَره في زيٍّ يشبه زيّ بطريرك الكرّازة (يعني البشارة) المرقسية، ومن حوله مجموعة من الشبان في ملابس كنَسية، رسَّمهم(أي عيَّنهم) رهباناً بنفسه.

لجنة الرهبنة

وأصدرت لجنة الرهبنة وشؤون الأديرة في المجمع المُقدَّس، قراراً بتجريد الراهب يعقوب المقاري” من الرهبنة في 28 أغسطس 2018، وعودته لإسمه العلماني “شنوده وهبه عطا الله”، نظراً لما وصفته بـ”التجاوزات العديدة” التي قام بها، وحذَّرت من التعامُل معه، وأنها غير مسؤولة عن الشبّان طالبي الرهبنة في ما يُسمَّى بدير “الأنبا كاراس” في وادي النطرون، الذي يترأسه المقاري، الذي شلح بطريرك الأقباط البابا “تواضروس الثاني”، وهي سابقة غريبة ومُريبة في وقتٍ واحدٍ، لأن المعنى أن المشلوح “المقاري” شلح أو طرد البابا نفسه، وهو ما أدَّى بنا إلى المُطالبة من الدولة بالتدخّل لحلّ الخلاف وعودة الأمور إلى نصابها.

ورغم التعتيم ظهر الانقسام الكبير من خلال الإجراءات التي اتخذتها الكنيسة ضد رهبان الدير، حيث أصدرت لجنة الرهبنة قرارات أشبه بانقلاب ضد الرهبان؛ منها وقف الرهبنة في كل الأديرة لمدة عام، وعزل بعضهم، ونقل آخرين إلى أديرة بالصعيد، بل وصل الأمر إلى اتهام بعض الرهبان بالفساد المالي وجمع التبرعات، وشراء الأراضي واستغلال سلطتهم الدينية في مخالفات رأت الكنيسة أنها تسيء إلى الرهبنة.

تساؤلات بدون جواب

انتحار الرهبان وقتلهم  لبعضهم البعض  في الصحراء الغربية أثار التساؤلات حول هذا الملف الذي لم يكشف عنه الستار حتى الآن، فكل يوم نطالع في الأخبار حوادث القتل والانتحار وكأن هذه المكان المخصص للزهد والبعد عن ملذات الدنيا تحول إلى وكر يسفك فيه الدم في مسلسل رأينا بدايته ولا نعلم أين يتوقف.

وجاءت واقعة قتل الأنبا إبيفانيوس رئيس دير أبو مقار القلعة الحصينة بوادي النطرون لتؤكد أن الكنيسة أصبحت دولة داخل الدولة، لدرجة أن الحكومة وأجهزتها لا تستطيع دخول الكنائس والأديرة لتنفيذ القانون.

منذ الإعلان عن قتل رئيس الدير بطريقة مروعة، بالضرب على رأسه بحديدة وتهشيم عظام جمجمته، غابت الدولة وظهرت الكنيسة كجهة وحيدة تحتكر الإعلان عن أخبار التحقيقات، ولم يسمح للإعلام بالدخول وتغطية الحدث، ولم تنشر أي معلومة توضح الأسباب الحقيقية التي أدت إلى هذه الجريمة.

وكانت الأخبار المنشورة في كل الصحف بصيغة واحدة، لا تخرج عن البيان الذي توزعه الكنيسة، حتى تحقيقات النيابة التي اعتدنا على إتاحتها للصحفيين تم فرض السرية عليها ولم ينشر منها غير الأداة المستخدمة وكيف وقعت الجريمة!.

كما لم ينشر شيء عن الصراع داخل الدير ومن مع من؟ ومن ضد من؟ ولا نعرف أفكار هؤلاء الرهبان الذين اتفقوا جنائيا وبشكل جماعي على قتل كبيرهم وتعطيل كاميرات المراقبة لإخفاء الجريمة!

الكنيسة والسياسة

محاولة إغلاق الملف لم تنجح، فقد تعددت حوادث الوفاة بين الرهبان ومحاولات الانتحار -حسب ادعاءات الكنيسة- لعدد من المعارضين للأنبا المقتول آخرهم الراهب “زينون المقاري” الذي أعلنت الكنيسة انتحاره قبل يوم واحد من الإدلاء بشهادته أمام المحكمة في مقتل الأنبا إبيفانيوس!.

هذا الراهب الذي قيل إنه انتحر خدم في فرنسا عدة سنوات قبل المجيء إلى مصر، ومن الرهبان المطرودين الذين تم نقلهم من وادي النطرون إلى دير أسيوط، عقب قتل رئيس دير أبو مقار.

وفي التعليق على حوادث القتل والانتحار الأخيرة بالكنيسة، عزا الكاتب الصحفي عامر عبد المنعم، هذه الحوادث لتورط الكنيسة في الشأن السياسي خلال السنوات الأخيرة،  بما أخرجها من دورها الديني في رعاية شئون الأقلية المسيحية، وحول البطريركية إلى حزب متورط في الفساد السياسي لتحقيق أهداف طائفية تتعارض مع ثوابت الوحدة الوطنية وتعمق الانقسام في المجتمع المصري.

وأكد عبد المنعم خلال تحقيقه المنشور في “الجزيرة” أنه من الواضح أن الكنيسة لها أجندة طائفية مستقلة تسعى لتحقيقها مستغلة حالة الضعف التي يمر بها النظام السياسي، وهذا السلوك الطائفي يجعل البابوية في حالة عداء مع عموم الشعب الناقم على الأوضاع الحالية.

وأشار إلى أنه بالرغم من المكاسب المؤقتة التي حققتها الكنيسة خلال دعنم الانقلاب على الرئيس محمد مرسي، لكن خسائرها على المدى الطويل تفوق مكاسبها الطائفية الوقتية، فالانتهازية التي أصبحت سمة تحركات الكنيسة سترتد عليها فيما بعد، لأن بقاء الحال من المحال.

وأوضح أن هذا الانقلاب في موقف البابوية تسبب في صدمة داخل الدوائر المتطرفة والمتعصبة الذين أصبح المطلوب منهم ابتلاع كل ما سبق واتخاذ مواقف معاكسه، وهنا بدأنا نشاهد عدم التجاوب بالشكل الكافي، والاستقبال الفاتر لممثلي تواضروس الذين يسافرون إلى أمريكا لحشد المشجعين مع كل اجتماع للأمم المتحدة، وكثرة المشاجرات في كنائس الخارج وتصويرها بالبث المباشر على الإنترنت!

وأكد أن التمرد الحادث في دير وادي النطرون سيظل هو الأخطر لأنه النقطة الغامضة، مصدر التطرف والنزعة الانفصالية، التي يمكن لقوى وجهات خارجية توظيفها ضد مصر وضد الأقلية المسيحية أيضا.

Facebook Comments