بقلم: عامر شماخ

 

هذا المقال كتبته بعد قرار العسكر باعتبار الإخوان المسلمين جماعة إرهابية، وقت أن كان حازم الببلاوى رئيسًا للوزراء، وقد قرأ البيان وقتها الدكتور حسام عيسى.. واليوم أعيد نشره بعد القرار الأمريكى (غير النهائى) بتصنيف الجماعة ضمن قوائم الكيانات الإرهابية.

 

والدافع لإعادة نشر المقال؛ أننى لم أجد فرقًا بين القرارين، فكلاهما أمريكى، كذلك –وكما أشرت فى المقال- فإن القرارين لن يغيرا من الواقع شيئًا، وهذه إجابة عن سؤال يطرحه الكثيرون ويحمل مخاوف عديدة إزاء القرار.. فإلى المقال:

 

لأول مرة، ومنذ ثلاثين سنة، أعرف أن الجماعة التى شرفت بالانضمام إليها إرهابية، قال هذا -مؤخرًا- الغراب الأغبر، خادم العسكر، الشيوعى أسود الوجه والقلب.. تلقى التعليمات بتلاوة هذا القرار على الرأى العام فور تنفيذ تفجير المنصورة بأيدى رجال (الجهة السيادية)، فلم يتردد، فأمر بأن يقوم شيوعى آخر -للأسف يعمل أستاذًا بالجامعة- بتلاوته، فتمطى هذا المبغض للجماعة وقام باستفراغ القرار، الذى تلقته الجماهير بالهتاف ضد الانقلابيين الذين لم يعد فى جعبتهم جديد سوى المزيد من القتل والتدمير.

 

سبحان ربي!! هل وصل الغل على الدين إلى هذا الحد؟!.. هل لم يعد لديكم شيء من الوطنية لو قلنا إنكم تكرهون الإسلام والمسلمين؟!.. شيء من الوطنية يحفظ مقدرات البلد ويرعى أبناءه؟!.. للأسف لا أرى -والله- ذرة من ضمير لدى هؤلاء البشر، كما لا أرى ولو جزءًا يسيرًا من الوطنية والانتماء، بل من الإنسانية.. لا أرى سوى مجموعة دمى تنفذ مصالح الغرب وخططه، واستراتيجيات إسرائيل وتصوراتها المستقبلية، وأرى نزعة طائفية يقوم العسكر بتنفيذ (أجندتها)، واسترضائها بشتى الطرق.. وأرى -قبل ذلك وبعده- حربًا صريحة على الإسلام والمسلمين.

 

إن القرار الأمريكى بغلق أكثر من ألف جمعية خيرية إسلامية يستفيد منها عشرات الملايين، ومعظمها غير تابع للإخوان ولا يعرف الإخوان عنها شيئًا، يعنى أننا أمام مخطط للتخلص نهائيا من هوية الدولة، ومنع ممارسة الدعوة الإسلامية بشقيها النظرى والتطبيقي، وفى المقابل مد اليد بالسؤال للغرب فى الخارج وللكنيسة فى الداخل.. كما يعنى القرار أن الانقلابيين غير مشغولين -على الإطلاق- بهموم الشعب، ولا يفكرون من قريب أو من بعيد فى قضاياه وأزماته التى باتت تخنقه وأولها الفقر الذى زادت معدلاته بشكل كبير منذ وقوع انقلابهم الدموى فى يوليو الماضي.

 

وإذا كان قرار غلق الجمعيات أمريكيا صرفًا -كما صرح أحمد المسلمانى بذلك- فلا أستبعد أن يكون وصم جماعتنا بالإرهاب هو أيضًا أمريكيا، وإن أظهرت أمريكا عكس ذلك، فإن الأخيرة لديها الأمل فى تجفيف منابع الدعوة فى مصر، قاطرة العالمين العربى والإسلامي، وهى تعلم أن الإخوان هم أساس هذه الدعوة وجذرها الممتد، وبقاؤهم عقبة كبيرة فى سبيل تنفيذ مخططاتها الخاصة ومخططات ربيبتها فى المنطقة، ومعلوم أن منطقتنا على وشك إعادة التقسيم وترتيب أوراقها من جديد، وهم لذلك يرون أن الجماعة هى الحائل دون ذلك، ووصمها بالإرهاب -فى ظنهم- يصنع العداوة بينها وبين الشعب، ويجعلها منبوذة مكروهة من مواطنيها.

 

وخاب هؤلاء وخسروا، أو لا يرون ما فعلوه بهذه الجماعة من قبل؟.. لقد وصفوها منذ سبعة عقود بأوصاف أشنع من وصف الببلاوي، بل كادوا يقضون على كل أفرادها فيما يشبه الإبادة الجماعية فى عقدى الخمسينيات والستينيات من القرن الماضى حتى ظن الإخوان أنفسهم أن الإسلام ذاته قد انتهى فى مصر، وإذا بهم لما خرجوا من السجون فى أوائل السبعينيات يجدون آلاف الشباب فى انتظارهم يدينون بفكرهم ويخلصون لمبادئهم ويتحركون بحركتهم.. ورغم انتشار الجماعة فى كل شبر من أرض مصر، وتواجد أعضائها وأنشطتها فى كل شارع وحارة على أرض المحروسة، فإن الحكام (المغاوير) السابقين لم يعترفوا بها يومًا، بل طاردوا أبناءها، وسجنوهم، وقتلوهم، ولم يدعوهم يومًا يتمتعون بحقوقهم مثل باقى المواطنين.

 

إذًا، لن يغير قرار الانقلابيين بوصف الجماعة بالإرهابية من الواقع شيئًا، اللهم إلا أنه سوف يرتد على من أصدروه، فالعالم كله عرف أنهم هم الإرهابيون القتلة، الذين لم يتركوا جريمة لم يفعلوها، وانطبق عليهم -بهذا القرار الغبي- المثل السائر: (رمتنى بدائها وانسلت)..

 

حين أصدر رئيس وزراء مصر قرارًا بحل الجماعة عام 1954م بعث إليه الأستاذ حسن الهضيبى بالرسالة التالية:

 

(وقرار حل الإخوان، وإن أنزل اللافتات عن دورهم فإنه لم يغير الحقيقة الواقعة، وهى أن الإخوان المسلمين لا يمكن حلهم؛ لأن الرابطة التى تربط بينهم هى الاعتصام بحبل الله المتين، وهى أقوى من كل قوة.. ولا تزال هذه الرابطة قائمة وستبقى كذلك بإذن الله.. ومصر ليست ملكًا لفئة معينة، ولا يحق لأحد أن يفرض وصايته عليها، ولا يتصرف فى شؤونها دون الرجوع إليها والنزول على إرادتها.. لذلك كان من واجب الواجبات على الإخوان المسلمين أن يذكروكم بأنه لا يمكن أن يبت فى شؤون البلاد فى غيبتهم.. وكل ما يحصل من هذا القبيل لن يكون له أثر فى استقرار الأحوال ولا يفيد البلاد بشيء).

المقالات لا تعبر عن رأي بوابة الحرية والعدالة وإنما تعبر فقط عن آراء كاتبيها

Facebook Comments