ما بين الاحتفالات المزيفة بنصر السادس من أكتوبر، التي تجريها سلطات الانقلاب على شاشاتها، وما بين الجرائم التي يقوم بها النظام في سيناء، وعمليات القتل والتهجير المتعمدة للأهالي والمواطنين، لتفريغ سيناء من قوتها الحقيقية وتاريخها، يظهر تنظيم الدولة “داعش” في كل جريمة لتغيير تلك الهوية وذلك النصر التاريخي، من تحويل العدو التاريخي للعرب والمسلمين من الصهاينة إلى ذلك التنظيم الهلامي، الذي وجد فيه نظام الانقلاب العسكري بقيادة عبد الفتاح السيسي، ضالته لتحويل قبلة العداوة لجهة غير معلومة تنتمخي زيفا للإسلام ليحارب من خلالها كل المسلمين.

فخلال اليومين الماضيين لم تشعر وأنت تشاهد فضائيات الانقلاب والتلفزيون الرسمي للدولة، خلال احتفالات نصر أكتوبر، أن نصر أكتوبر الذي كان الكيان الصهيوني هو الطرف الأساسي فيه، أصبح غير موجودا الآن، خلال المعركة التاريخية التي خاضها جنود مصر ضد هذا الكيان الاستيطاني والمغتصب، وأصبح المشهد الذي يسيطر على احتفالات أكتوبر هو تدريبات حديثة لجنود السيسي ضد تنظيم الدولة الإرهابي ” داعش”.

في حين غابت الصهاينة عن المشهد تماما، ولم يوجد أي صورة أو تسجيل من التسجيلات التاريخية التي كانت تذكر المصريين بنصرهم على الصهاينة، ليتم استبدال المشهد التاريخي لنصر أكتوبر بالمشهد العبثي في خلق عدو جديد ربما يستفيد من وجوده الصهاينة لتحويل القبلة من النضال ضدهم للنضال ضد المسلمين تحت شعار جرائم هذا الكيان الوهمي.

على الناحية الأخرى، حينما يحتفل المصريون بصاحب الحدث والنصر، يهتمون به وبالمكان الذي يعيش به، فتجد كل الأأقارب يقومون بتزيين هذا المكان وتجميله، في حين تعمد نظام العسكر تخريب هذا المكان والعمل على تدميره بأوامر صهيونية، حتى لا يكون لأرض الفيروز أي تذكر تكسر أنف إسرائيل، لتظل سيناء أرض خربة كما تركتها إسرائيل لحين العودة التي يحلم بها الكيان الصهيوني.

ويروي شهود عيان وصجفيون من سيناء لبعض وسائل الاعلام، أنه حين تزور سيناء هذه الأيام تشعر وكأن حرب أكتوبر 1973 لم تنتهِ بعد، فكل مشاهد الحرب قائمة، إذ تنتقل بين المنازل المدمرة، والمزارع التي جرفتها الآليات العسكرية، بينما تختفي ملامح البنى التحتية عن مناطق واسعة من المحافظة، والقلق يبقى يساورك من أن تتعرض للموت أو الاختطاف في أي لحظة. لكن كل ما سبق من فعل الجيش المصري وليس المحتل الإسرائيلي.

وأضافت أن المعركة في سيناء الآن تحولت من النصر على الصهاينة إلى أخبار بحث الأهالي عن المياه والاتصالات، وإمكانية انقطاع التيار الكهربائي في أي لحظة، بينما تصطف طوابير السيارات أمام محطات تعبئة المحروقات والغاز، بعد أن سمحت قوات الأمن لإدارة محافظة شمال سيناء بفتح هذه المحطات بعد إغلاق لمدة ثمانية أشهر، هي مدة العملية العسكرية الشاملة التي بدأها الجيش في مطلع فبراير الماضي، إلا أنها ما زالت متواصلة، في ظل استمرار هجمات تنظيم “ولاية سيناء” الموالي لتنظيم “داعش”.

وبدلاً من أن تسمع ألعاباً نارية ومدافع الانتصار في سيناء احتفالاً بذكرى انتصار حرب أكتوبر، لا يمضي يوم في مناطق رفح والشيخ زويد والعريش من دون سماع قذائف المدفعية والقصف الجوي، التي قتلت وأصابت عشرات المدنيين من أبناء سيناء، فيما ينتظر سكان المحافظة تحسناً في الأوضاع الأمنية والاقتصادية، في ظل تواصل المعاناة منذ الانقلاب العسكري في صيف عام 2013، وتفاقم الوضع الإنساني إثر بدء العملية العسكرية الشاملة التي لا يبدو أن لها نهاية قريبة، في ظل اشتداد هجمات “ولاية سيناء” على قوات الجيش والشرطة.

ويقول أحد شيوخ القبائل في تصريحات صحفية، اليوم، أن “الأوضاع الأمنية والاقتصادية في سيناء أسوأ من تلك التي كانت إبان الاحتلال الإسرائيلي في عام 1967، وهذا ما تسببت به السياسة التي ينتهجها النظام المصري، خصوصاً في فترة الانقلاب العسكري في عام 2013، وتزايدت سوءاً مع بقاء نظام الرئيس عبد الفتاح السيسي، إذ إن حالة التضييق على المواطنين طاولت كل شيء في سيناء، واضطر عشرات آلاف المواطنين لتركها باتجاه مناطق غرب القناة هربا من الحرب المسعورة التي أشعلها النظام المصري”. واعتبر أن “هذه الحرب لن تنتهي إلا بتغيير السياسات المتخذة بسيناء من قبل النظام خلال المرحلة المقبلة”.

وقالت الصحيفة إن السجون الإسرائيلية تشهد حتى الآن على نضال أهالي سيناء، إذ تُغيّب ستة من رجال سيناء الذين اعتُقلوا خلال هذه الحرب وبعدها، وهم موسى عيد الجديعي، وجديع عيد الجديعي، وزاير صالح سالم أبوتليل، وعواد عودة الزميلي، وزيد سليمان سلامة أبو عكفة، ومراحيل سلمان هويشل. وعلى أرض الواقع، لم تشهد سيناء أي احتفالات بنصر أكتوبر، وحتى محافظة شمال سيناء، رغم أن أرضها شهدت معارك حاسمة بين الجيشين المصري والإسرائيلي، فيما باتت المحافظة اليوم تغص بكشوفات القتلى بسبب المعارك المستمرة بين التنظيم والأمن، ومئات المصابين، والمختفين قسريا، والمعتقلين بلا تهمة منذ سنوات طويلة في السجون العسكرية التابعة للجيش المصري، عدا عن الحالة الاقتصادية السيئة التي تعاني منها غالبية سكان سيناء منذ سنوات.

في حين أكد مصدر حكومي أن هناك تعليمات بتقليل الاحتفالات بذكرى حرب أكتوبر، في ظل استمرار المعاناة اليومية للمواطنين، وعدم وجود إجابات عن تساؤلات واحتياجات المواطنين في ملفات ملحة عدة، أهمها المياه والكهرباء وحركة المواصلات والدراسة، عدا عن الملف الأبرز، وهو الوضع الأمني المتدهور في مدن محافظة شمال سيناء.

وتساءل: “كيف يمكن إعلان مظاهر الفرح بانتصار أكتوبر والأزمات تحيط بالمحافظة من كل اتجاه؟”.

وأضاف المصدر، الذي طلب عدم الكشف عن اسمه، أن الاحتفال الحقيقي في سيناء سيكون في يوم عودة الأوضاع العامة إلى سابق عهدها، وهذا بحاجة إلى قرار استراتيجي من مستويات عليا، خصوصاً الجهات الأمنية صاحبة الكلمة الأولى في سيناء في كل الملفات، وأن أي قرار يخص المحافظة يودّ شوشة اتخاذه لا بد له من العودة إلى الجهات الأمنية للموافقة عليه، وهذا ما تسبب بعرقلة عدة قرارات سعى المحافظ الجديد لاتخاذها، فيما استطاع بعد ضغط منه الحصول على موافقات بخصوص ملفات كالوقود والمدارس والحركة من سيناء إلى خارجها والعكس.

Facebook Comments