ربما لا يمر يوم دون أن ترى شابًا شبه رجل يمسك كلبًا ضخمًا على ناصية شارع من شوارع المحروسة. هذه الظاهرة باتت تسبب قلقًا للمواطنين، ولا يجدون لها حلاً فى ظل غياب القانون والأخلاق فى بلد صار «شبه دولة»..

قد لا يعلم الكثيرون أن هناك (بيزنس) ضخما فى أصناف هذه الكلاب، يتمثل فى استيرادها من الخارج، وفى مزارعها المنتشرة فى شتى محافظات الجمهورية، وفى طعامها المستورد الذى يقدر بعشرات الملايين فى حين لا يجد الفقراء قوت يومهم. ولن نخوض فى شرعية اقتنائها؛ فهذا أمر معلوم لا يخفى على أحد، كما لا يخفى على الكثيرين خطرها فى نقل الأمراض والتأثير على الإنسان وخصوصًا الأطفال..

عشرات الحوادث والمشاجرات تسجلها محاضر الشرطة كل يوم بسبب هذه الكلاب، التى يقتنيها الشباب لـ«المظهرة»، وللمعاونة فى (الخناقات) وترويع الآخرين، ولا يخلو الأمر فى النهاية من مصابين بعقر الكلب. وقد شاركت المرأة الرجل فى هذه الجريمة، وما شاهدناه مؤخرًا فى «فيديو امرأة مصر الجديدة» يؤكد ذلك وينذر بكارثة؛ فهذه السيدة أرادت أن تنتقم لنجلتها التى تشاجرت مع زميلها فى المدرسة الابتدائية، فاصطحبت كلبها «الوولف» وأطلقته على الولد لينشب فيه أظافره لينقله الأهالى إلى المستشفى، وحتى الساعة لم نسمع أنه جرى اعتقال هذه السيدة أو حتى إحالتها إلى النيابة..

وغيرها عشرات «الفيديوهات» التى تظهر استخدام هذه الحيوانات فى الترويع والإرهاب، بل فى السرقة بالإكراه، وفى تصفية الحسابات مع الخصوم، بل هناك خطر أكبر هو إطلاقها على الفتيات للمعاكسة، وعلى الأطفال وذوى الاحتياجات الخاصة للسخرية، وهذا قد يسبب عاهات نفسية كبيرة لمثل هؤلاء الضعفاء، وفى حين تظل هذه العاهات مصدر قلق وإزعاج لأصحابها وذويهم، يظل المجرمون أحرارًا طلقاء يضيفون كل يوم إلى هؤلاء الضحايا ضحايا جددًا.

بل الأعجب فى «شبه الدولة» أن تستخدم هذه الكلاب في التصدى للسلطات، وللشرطة بالأساس، ورغم ذلك لم يطالب أحد بكبح أو منع هذه الظاهرة، فهناك تجار مخدرات أطلقوها على القوات التى ذهبت للقبض عليهم، كما حدث فى بسيون، وفى أطفيح وغيرهما، وفى كثير من الحالات كان الجناة يفرون من القوات بمعاونة هذه الكلاب المدربة..

بل القانون نفسه لا يجرّم هذه الظاهرة التى تخلف مئات الحوادث سنويًا؛ فليس هناك مادة تتعلق بتربية الكلاب، إنما هناك نصوص -كما يقول القانونيون- تتعلق بالتبعية؛ فإن قتل الكلب شخصًا فإن الجريمة -إذا ثبتت- يتحملها الشخص الذى أطلق الكلب على المجنى عليه؛ من ثم لم يتطرق القانون إلى آلة القتل التى لو امتنعت لامتعنت الجريمة.

بل المضحك فى القانون أنه إذا عقر الكلب شخصًا يوقع عليه جنحة إهمال فى الحيوان وعدم الحفاظ عليه. وهذا يشجع أصحاب هذه الحيوانات على ارتكاب العديد من الجرائم؛ لاطمئنانهم إلى عدم توقيع عقوبات رادعة عليهم.

هناك أصوات تطالب بتقنين الظاهرة. كيف يا جماعة؟ يقولون بإصدار تراخيص لهذه الحيوانات، ومن لم يحصل على هذا الترخيص لكلبه يعاقب. لكن يا جماعة التراخيص التى يأخذها الكلب صحية وليست أمنية، بمعنى أن يرخص لصاحبه بالاقتناء فى حال حصول الحيوان على التطعيمات والتحصينات اللازمة من مديرية الطب البيطرى التابع لها صاحب الترخيص. وأسوق لكم حادثة تؤكد كذب هذه التراخيص وعدم جديتها؛ هذه الحادثة وقعت لى ولأحد أبنائى والجانى كلب مرخص، هذا الكلب صاحبه جارى. فى أثناء عودتى وأبنائى بالسيارة طلب أحدهم (12 سنة) التوقف لشراء شىء من (السوبر ماركت)، ولما انتهى من الشراء وهمّ بالعودة للركوب سمعت صراخه المدوى، نظرت للخلف فوجدت كلبًا يشبه الأسد يطارده ويعتلى كتفيه والولد يجرى مذعورًا -وهو مريض بالأساس- جريت خلفهما بالسيارة لمحاولة إنقاذه، ثم توقفت لئلا أدهسه، وترجلت وأمسكت بعصا أحضرها لى أحد المارة، فهجم الكلب علينا، ثم طاردناه ليأتى صاحبه معنفًا إياى، مؤكدًا –سامحه الله- أن الكلب مرخص!!

إلى متى ننتظر دون حل هذه الظاهرة؟ وقد علمتم أن (نخنوخ) كان يقتنى أسودًا ونمورًا، والآن يقلده كثيرون. هل تنتظرون حتى يسير الشباب فى الشوارع بالأسود والنمور والدببة والضباع؟

المقالات لا تعبر عن رأي بوابة الحرية والعدالة وإنما تعبر فقط عن آراء كاتبيها

Facebook Comments