كتب: يونس حمزاوي
تسبب قرار رئيس الانقلاب عبدالفتاح السيسي بتجاوز المستشار يحيى الدكروري، نائب رئيس مجلس الدولة وصاحب حكم بطلان اتفاقية التنازل عن "تيران وصنافير" للسعودية، من رئاسة المجلس، وتعيين المستشار أحمد أبوالعزم رئيسا؛ رغم أن مجلس الدولة قد أرسل ترشيحاته للسيسي بوضع اسم الدكروري منفردا باعتباره الأحق وفق الدستور والأقدمية؛ في إثارة غضب جموع قضاة المجلس والقضاء عموما.

وأصدر السيسي، أمس، قرارا انقلابيا بتعيين المستشار أحمد أبوالعزم رئيسًا لمجلس الدولة، ليخلف المستشار أحمد المسعود, على الرغم من أنه يأتي خامسًا في ترتيب الأقدمية بين نواب رئيس مجلس الدولة، بعد المستشارين يحيى الدكروري أقدم الأعضاء، ومحمد زكي موسى، وفايز شكري نوار، وبخيت إسماعيل، إلا أن السيسي استخدم أحقيته في تعيين واحد من بين أقدم نواب رئيس الهيئة، كما ينص قانون الهيئات القضائية الجديد، الذي ينتهك استقلال القضاء ويجعله تابعا للسلطة التنفيذية.

وبحسب مراقبين، فإن هناك عدة دلالات تدل على سلوك السيسي وغطرسته على الشعب وجموع القضاة.

عدم الاكتراث بغضب القضاة

الدلالة الأولى هي عدم اكتراث السيسي بغضب القضاة، كما لم يكترث بغضب الشعب عندما تنازل عن جزيرتي "تيران وصنافير" للسعودية بثمن بخس.

وفي تقرير لها، الخميس 20 يوليو، قالت وكالة أسوشيتدبرس، إن قرار السيسي "يتجاهل اختيار قضاة المجلس، في انتهاك لقانون جديد مثير للنزاع". ويسمح قانون جديد، جرى تفعيله في أبريل الماضي لرئيس الانقلاب، باختيار رؤساء الأفرع القضائية المختلفة من بين ثلاثة أسماء يقدمها أعضاء كل فرع.

من جهته، انتقد المستشار عادل فرغلي، رئيس مجلس الدولة الأسبق، قرار رئيس الانقلاب، مضيفا أن "عدم تعيين الدكروري رئيسًا لمجلس الدولة يجعل وجهة النظر القائلة بأن السلطة السياسية أخرجت قانون اختيار رؤساء الهيئات القضائية للانتقام من المستشارين أنس عمارة نائب رئيس محكمة النقض، والمستشار يحيى الدكروري صحيحة, خاصة وأن الدكروري هو صاحب حكم بطلان اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع السعودية, وعمارة محسوب على "تيار استقلال" القضاة، الرافض لتغول السلطة التنفيذية على القضاء".

العناد سمة الشخصية العسكرية

الدلالة الثانية هي «العناد»، باعتباره سمة أساسية من مكونات الشخصية العسكرية، فالسيسي في تكوينه النفسي والفكري عسكري قح؛ نفذ انقلابا دمويا على أول رئيس مدني منتخب، لا يفهم لغة السياسة والمرونة السياسية، ولا يبالي بالأولويات وموازنة المكاسب والخسائر في القرارات، هو بحكم تكوينه العسكري لا يفهم إلا لغة الأوامر والسمع والطاعة العمياء.

هذه السمات كلها تجلت في تجاوز المستشار الدكروري، كما تجلت في تفريطه بجزيرتي تيران وصنافير، واعتداءات عصابته على سكان جزيرة الوراق.

مصر الآن تدار بالأمر والنهي وإعطاء التمام، لا مكان لأي إرادة مستقلة، ولا مؤسسة مستقلة، ولا وجود للديمقراطية وهي الفصل بين السلطات، ولا وجود لأي رمز يمكن أن يقول لا، ولا مجال أمام أي فكر تخطيطي في أي شأن من شئون الدولة، بعيدا عن التعليمات التي تأتي من مؤسسة بعينها.

ضرب استقلال القضاء في مقتل

الدلالة الثالثة هي ضرب استقرار القضاء، حيث يأتي تجاوز الدكروري استمرارًا لممارسات رئيس الانقلاب بضرب ما تبقى من استقلال القضاء في مقتل، واستكمالا للخطة العسكرية بالهيمنة الكاملة على كل مفاصل الحياة بمصر بعد انقلابهم الدموي.

وعندما صدر القانون الجديد لاختيار رؤساء الهيئات القضائية، ومنح رئيس الانقلاب منفردا الحق في اختيارهم، بما يعني ضرب استقرار القضاء في مقتل، كان الجميع يعرف ويتحدث علنا عن أن هذا التشريع قصد به التمهيد لإبعاد المستشار يحيى الدكروري من رئاسة مجلس الدولة، باعتباره القاضي الذي أصدر الحكم التاريخي بإبطال اتفاقية "تيران وصنافير"، وقرر أن الجزر مصرية، ولا يجوز للحكومة التنازل عنها، وهو الحكم الذي نزل كالصاعقة على مؤسسة الانقلاب نفسها، التي تبنت هذه الخطوة ودافعت عنها، بل وحذر السيسي علنا من أي محاولة لوقف قراره فيها من أي جهة كانت، أو حسب عبارته المشهورة: "ومش عايز أي كلام تاني في الموضوع ده"، حتى صدمه حكم القضاء وأحرجه، بحسب جمال سلطان.

اختيار المطبلين

الدلالة الرابعة أنه في مصر العسكر ونظام 30 يونيو، تأتي القرارات السياسية والاقتصادية ضد مصالح الناس، ومعاندة لأشواقهم وآمالهم من دولتهم، وأن تكون الاختيارات ضد الأصلح في أي موقع، هناك حالة عناد غير مفهومة مع الناس والشعب وحتى مع مؤسسات الدولة، فلا يتم تصعيد أحد إلى مراكز القيادة وصنع القرار إلا إذا كان "مطبلاتيا"، لا يجيد سوى التصفيق والولاء المطلق للعسكر.

وأكثر ما يتجلّى هذا في المستشار أحمد أبوالعزم، الذي تم تعيينه رئيسًا لمجلس الدولة بدلا من الدكروري، القاضي النزيه المستقل، الذي لا يقضي إلا بصحيح القانون وضمير القاضي الحي الذي لا يخشى إلا الله.

جاءت تصريحات أبوالعزم كاشفة عن شخصيته كـ"مطبلاتي"، فرغم أن تعيينه جاء مخالفا للدستور والقانون والأقدمية، إلا أنه وصف اجتماعه برئيس الانقلاب، صباح اليوم، بأنه «كان رائعا»، رغم أن السيسي هو الذي انتهك استقلال القضاء، وجعل القضاة رهنًا لرضا السلطة التنفيذية.

ذليل في الخارج عزيز في الداخل

والدلالة الخامسة أن هذا العناد يجعل السلطة تتعامل بكل هدوء وطول نفس ومرونة وتسهيلات وتفهم مع "الخارج"، حتى في حالة وضوح الحق الوطني أو المخاطر على الوطن، كما هو الأمر في سد النهضة الإثيوبي، وبيع جزيرتي تيران وصنافير، بينما تتعامل مع "الداخل"، مع شعبها، بكل تجبر وغطرسة وخشونة ووجه غاضب عبوس، و"مش عايز أسمع كلام تاني"، ولا تتعامل إلا بمنطق العصا الغليظة والرصاص الحي والمطاط والغاز المسيل للدموع.

المتأمل في دلالات هذا المشهد الكئيب، يدرك أن رأس الانقلاب لم يعد معنيا بقبول شعبي أو عدم قبول شعبي، بفعل تلك القرارات والمواقف، ولم يعد مشغولا بفكرة إمكانية أن يزهد فيه شعبه عبر مسرحية انتخابات مرتقبة، يبدو واضحا أن هذه المسألة لا تقلقه، ولا تشغله، ويثق تماما أنها ستمر، ويتم "تستيف" الأمور على نار هادئة.. وليذهب الشعب إلى الجحيم.

Facebook Comments