تطورات مثيرة في قضية اغتيال الكاتب الصحفي السعودي المعارض جمال خاشقجي داخل قنصلية بلاده في مدينة إسطنبول التركية، يوم 02 أكتوبر الجاري، حيث سمحت السلطات السعودية لفريق البحث الجنائي التركي بتفتيش القنصلية، كما أمر العاهل السعودي الملك سلمان بإجراء تحقيق داخلي حول اختفاء خاشقجي.

ورصدت عدسات وسائل إعلام، الإثنين 15 أكتوبر2018، دخول كميات كبيرة من مستلزمات التنظيف إلى القنصلية السعودية في مدينة إسطنبول، وذلك قبل ساعات من وصول فريق “تركي – سعودي” مشترك لتفتيشها، في إطار التحقيق في اختفاء الصحفي السعودي البارز جمال خاشقجي.

يأتي ذلك بعد مرور قرابة أسبوعين على اختفاء الصحفي السعودي جمال خاشقجي، عقب دخوله قنصلية بلاده في إسطنبول، لإجراء معاملة رسمية تتعلق بزواجه. كما قامت السلطات السعودية بدهن مبنى القنصلية وبيت السفير بعد الجريمة، في محاولة لطمس الأدلة.

وأمام ادعاء السلطات السعودية تعطل الكاميرات، طلبت تركيا من الشركة التي ركبت الكاميرات تفاصيل حول آلية عملها، وحصلت على معلومات وافية بأنّ الكاميرات كانت تعمل، وهي مضمونة لستّ سنوات أخرى، ولم يسبق للقنصلية أن أبلغت الشركة بأيّ عطل أو عائق يمنعها من أداء وظيفتها، وهي التسجيل”.

وتفيد مصادر تركية رفيعة المستوى بأنّ الكاميرات شكّلت مصدرًا رئيسيًا للمعلومات التي باتت بحوزة السلطات التركية، وهي عبارة عن تسجيل لعملية القتل والنقاشات التي تمّت بين خاشقجي وفريق القتل، وبين أعضاء الفريق أنفسهم حول ما يجب فعله بعد أن حصلت الوفاة. وحسب مصدر تركي، فإنّ الدليل الذي تملكه تركيا يتمثّل في هذا التسجيل، الذي يشكل وثيقة لا يمكن إنكارها.

وطالب عدد من الدول الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة وبريطانيا والاتحاد الأوروبي، الرياض بالكشف عن مصير خاشقجي بعد دخوله سفارة بلاده في إسطنبول. وتتوالى ردود الفعل عبر العالم من مسئولين ومنظمات، مطالبة بالكشف عن مصير خاشقجي؛ لتتصدر «مانشيتات» الصحف ونشرات الأخبار العالمية، بالتوازي مع التحليلات عن تداعيات هذه الأزمة على كل المستويات.

صفقة على الطريق

وبحسب الكاتب الصحفي بشير البكر، كان الاتجاه العام في قضية إخفاء خاشقجي في إسطنبول يسير حتى مساء الخميس الماضي نحو إعلان وشيك للنائب العام التركي، يقدّم فيه التفاصيل النهائية للجريمة، بعد أن حفلت وسائل الإعلام على مدار أكثر من أسبوع بكمّ كبير من التسريبات، عن مصادر متعددة، ما بين أمنية ودبلوماسية وإعلامية، ليس من بينها أي مصدر رسمي. وتغيّر هذا الاتجاه منذ مساء الخميس، بعد أن حصل تطوّر مهم لم يكن في الحسبان من خلال إعلان السلطات التركية عن تشكيل لجنة تحقيق مشتركة، تركية سعودية، من أجل التحقيق في القضية.

وبوصول وفد سعودي إلى أنقرة، يوم الجمعة الماضي 12 أكتوبر، تكون السلطات التركية حقّقت الهدف الأول من الاستراتيجية التي اتبعتها لإدارة هذه القضية، وهو استدراج الرياض رسمياً إلى صلب القضية، بعد أن حاولت التملّص منها أياما عدة، وبذلك انتقلت القضية منذ يوم الجمعة رسميا من مسار التصادم التركي السعودي إلى التعاون، بعد أن وصل وفد سعودي رفيع المستوى إلى أنقرة برئاسة مستشار خاص للملك سلمان بن عبد العزيز.

وترجّح مصادر تركية أن يكون هذا المستشار هو أمير منطقة مكّة، خالد الفيصل، الذي يحتفظ بعلاقات جيّدة مع المسئولين الأتراك.

ويبدو للمراقب أنّ وصول الوفد السعودي لم يغيّر شيئًا في استراتيجية أنقرة للكشف عن تفاصيل قضية خاشقجي، ويتجلّى ذلك من خلال استمرار التسريبات الإعلامية للصحافة المحلية والدولية بجرعة عالية، حتى يعتقد البعض أنه لم يبق شيء إلا وتمّ الكشف عنه، وصار هناك رواية متكاملة العناصر لا تحتاج سوى إلى الإعلان الرسمي عنها.

في مقابل ذلك، يجري الحديث عن احتمال التوصّل إلى صفقة سعودية تركية تلعب فيها الولايات المتحدة دورا رئيسيا. وهنا، أكّد مصدر تركي مطلع أنّ “واشنطن هي التي ضغطت على الرياض لقبول تشكيل لجنة التحقيق المشتركة، وستكون قريبة من عملها على صعيد المشاركة في المسح الميداني”. وهذا يؤكّد الحديث عن مشاركة وفد من “مكتب التحقيقات الأمريكية الفيدرالي” (إف بي آي) المتخصّص بجرائم من هذا النوع، رغم النفي التركي الذي نقلته وكالة “الأناضول”، لوجود أيّ مشاركة أمريكية في التحقيقات.

بين الشق الجنائي والسياسي

وتفيد أوساط مطلعة في إسطنبول، بأنّ القضية سوف تسير في شقين: الشقّ الجنائي، والشقّ السياسي. وتقول المصادر إنّ القضية سوف تأخذ مجراها في الشقّ الجنائي حتى النهاية، وسيتم الكشف عن تفاصيل قضية الاغتيال كافة. وهذا أمر يكتسي ضرورة قصوى بالنسبة للرأي العام المحلي والخارجي الذي يريد أن يعرف ماذا حصل لخاشقجي، وهذا هو المنتظر من لجنة التحقيق المشتركة.

أمّا في الشقّ السياسي، فتبدو القضية أكثر تعقيدا، ويتداخل فيها أكثر من ملف، ولكنها تحتمل هي الأخرى أكثر من قراءة. فإذا كان الغرض هو اختطاف خاشقجي فقط من تركيا إلى السعودية، وأنه مات تحت التخدير، فإنّ المسئولية هنا تقلّ عن حجم المسئولية في حال كان القرار أساسا بالقتل، وكان صادرًا عن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، مثلما سبق أن تداولت وسائل إعلام ومنها رواية صحيفة “نيويورك تايمز”.

وفي الحالة الأولى يمكن للادعاء العام أن يكتفي بتوجيه الاتهام إلى المنفّذين المباشرين، ويترك للمستوى السياسي تحديد بقية التبعات. ولكن في جميع الأحوال، سوف تطلب أنقرة تسليم المتهمين المباشرين كي يحاكموا حسب القانون التركي على أراضيها.

وفي حال ثبت أنّ أوامر القتل صدرت عن ابن سلمان، ففي هذه الحالة سوف يترتب على الادعاء توجيه المسئولية المباشرة إليه، ومن المرجح أيضا أنّ هذا الأمر متروك للمستوى السياسي التركي الذي يتوقّف عليه تقدير مدى خطورة الأمر، وما يترتّب عليه من آثار ونتائج، خصوصا أنّ الأيام الماضية حفلت بشحن إعلامي وسياسي واسع ضدّ ولي العهد السعودي، على اعتبار أنه يقف وراء الجريمة.

فهل يتم تسليم “بن سلمان” لمحاكمته في تركيا وفقا للقانون الدولي والأعراف الدبلوماسية حال ثبت بالأدلة تورطه في اغتيال خاشقجي بهذه الوحشية المفرطة؟

Facebook Comments