بينما أكتب هذه السطور يتحدث الناس عن تنفيذ شريحة خامسة لزيادة مجحفة فى أسعار الوقود والغاز والكهرباء والمياه فرضها صندوق النقد على النظام الفاشل؛ ما يعنى ارتفاعًا مضاعفًا فى أسعار السلع كافة فوق أسعارها الملتهبة التى ابتلى بها المواطن عقب الانقلاب الدموى الذى وقع فى يوليو 2013.

وبالمثل يتحدث الناس عن تعقيدات فى الرواتب والمعاشات، وعن زيادات مركبة فى الضرائب والرسوم، وعما يشبه الشلل الذى أصاب الأسواق ومراكز الإنتاج، وكيف أن الضيق حلَّ بالجميع، الغنى والفقير، وليس فى  الأفق مخرجٌ يطمئن الذى عجز عن الوفاء بمتطلبات أولاده، ولا الذى كسدت تجارته وبارت سلعته فصار فى همٍّ من بعد بسطة وسعة.

ست سنوات عجاف، كلما أتت سنة كانت أسوأ من أختها، حتى ضج الناس بالشكوى، وضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وضاقت عليهم أنفسهم، وحتى امتلأت المشافى النفسية بالمصريين؛ مما يلاقونه من غلاء وبلاء، كأنه العقاب الذى عمَّ الكل وأخذ المحسن بالمسىء..

ومهما مرت السنون فلن ينسى كلُّ حر ذلك اليوم الذى غربت فيه شمس الحرية عن المحروسة، وحلَّ محلها القهر والبلاء؛ يوم خدع العسكر شعبهم بكذبة «تصحيح الأوضاع!»؛ فلم يكتفوا بالانقلاب على رئيس شرعى منتخب، ولم يكتفوا بضربهم الدستور عرض الحائط، بل أخذوا مصر كلها إلى المجهول، وقد تنمروا للجميع، وسلطوا سيف انتقامهم على الخصوم والشركاء..

قد كان يومًا عجيبًا، شممنا فيه رائحة الدماء، ورأينا سلوك المجرمين، لم يكن سلوكهم سلوك من جاء لإنقاذ، أو لتلبية مطالب جماهير كما زعموا، بل كانوا من أول لحظة عازمين على أن يكون البلد على ما نحن فيه الآن من فوضى وضياع، فلم يغادروا جلسة الانقلاب يوم (3/7) حتى هيأوا لجريمة الانقسام والتى فجروا بها الاستقرار المجتمعى، وهدموا الطريق الديمقراطى الذى سلكه الشعب بعزم على مدى سنتين ونصف السنة، وقد  دفعوا بالمجتمع إلى طريق العنف والإرهاب، وتفخيخ الساحة بحجج كاذبة؛ فأدخلونا من ساعتها فى منعطف العسكرة والاستبداد وما يستتبعهما من تخلف وجمود.

وقال بعض شركائهم ما على هذا اتفقنا، لكن قد سبق السيف العزل، وجرى على هؤلاء الشركاء الذين وضعوا أيديهم فى أيدى العسكر ما جرى على من وقفوا ضدهم، من سجن ومطاردة ومصادرة ومنع من المعارضة والنقد، وقد رأوا بأم أعينهم حمامات الدماء ومشاهد الجماجم المتناثرة فى الحرس الجمهورى والمنصة ورمسيس، ثم فى رابعة والنهضة، بل فى سائر شوارع مصر، التى كساها الحزن، وزحمتها المآتم فما مر يوم إلا وهناك شهداء يرتقون، وهناك فى المقابل إجرام وطغيان لم يستثن أحدًا، ولم يتورع عن استخدام الذخائر المضادة للدروع فى تفجير جماجم هؤلاء الأطهار.

وتتالت المساخر، فيما عُرف بالانتخابات والتأسيس لحزب وحيد فى البلاد، هو حزب العسكر، الذى رفع شعار «من ليس معنا فهو عدونا» وقد أنفقت عليه الأموال بسخاء، هى أموال الشعب، أو أموال الخليج الحرام، حتى غدا الناس فى هلع مما يشاهدون، وقد وصمت الدولة باسم «دولة الخوف» فقُدِّرَ ما بُنى فيها من سجون خلال تلك السنوات بأضعاف ما أُنفق على المدارس والمعاهد والمستشفيات، وحتى صار الأخ يخشى أخاه، والوالد يخشى ولده، هذا بخلاف ما صار إليه المصريون من إهمال من جانب النظام حيث لم يعد معنيًّا بما يقع لهم من كوارث وأزمات، وحتى هرع لإطفاء حريق فى تل أبيب بطائراته الحديثة، وبخل بسياراته المتهالكة عن إطفاء حريق بمنطقة العتبة، ومركز انتظارها على بُعد أمتار من مكان  الحريق.

بعد ست سنوات من هذا الانقلاب نرى الساحة السياسية خالية من أى حياة بعدما كانت كخلية نحل فى عامى 2011، 2012. صارت مصر الآن مكبلة بديون لا طاقة لها بسدادها؛ جراء السفه والفساد، وقد تعطل الإنتاج، وانهار الجنيه. وانهارت بعده الأخلاق، ونُسب إلى المصريين سلوكات منكرة ما كانوا يعرفونها قبل حلول هذا البلاء.

وقد انتقصت مصر من كل شىء؛ من قيمتها ومكانتها، وكرامتها  وشخصيتها، وصارت -على يد هذا النظام- تابعة ذليلة صغيرة، تركة مستباحة للأعراب الذين ساندوا الانقلاب، فابتزوا العسكر حتى حصلوا منهم على أرض الأجداد، وكذلك فعل الصهاينة الذين ساوموا على تنفيذ حلمهم التوراتى على حساب المصريين بتمديد دولتهم على أرضنا ومقدراتنا، ولم يجدوا شفيعًا لهم لتنفيذ ذلك إلا هذا النظام.

وما سبق كله فى كفة وما جرى ويجرى على أرض الفيروز فى كفة أخرى؛ فما رأينا أحدًا فى التاريخ، مهما كان ضعفه وعمالته يفرط فى بلده بهذه السهولة؛ إلا هؤلاء الذى محوا القرى والمدن لأجل عدوهم، وبداخلها إخوانهم ومواطنوهم، الذين لم يراعوا لهم عهدًا ولم يحفظوا لهم حرمة.. أبعد هذا يمكن أنم يُصنفوا مصريين؟!

Facebook Comments