ما زال حديث المظاهرات الشعبية فى مصر حديث العالم حتى الآن، إذ سلَّط التلفزيون الألماني- فى تقرير حديث له- الضوء على أسباب الانتفاضة الشعبية التى تمت طوال الأسابيع الماضية، والتي أدت إلى رعب النظام المصري وحكومته .
"دويتش فيليه" قالت إن النظام المصري يزعم بشكل مستمر، من خلال وسائل إعلامه المسيطر عليها من الأجهزة الأمنية، أنه يؤسس لدولة حديثة من خلال مشروعات كبرى ومساعدات للأسر الفقيرة، ومحاولة للنهوض بالقطاعات المختلفة للدولة.
لكن على جانب آخر، لا يبدو أن رجل الشارع قد لمس أي تحسن في حياته اليومية، خصوصا بعد برنامج التقشف الذي تسبب- بحسب تقديرات دولية- في زيادة نسبة الفقر بشكل كبير. فوفق الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، فقد ارتفعت معدلات الفقر إلى 32.5% للعام المالي 2017/2018 في مقابل 27.8 في العام المالي 2015/2016.
يأتي ذلك في الوقت الذي يؤكد فيه النظام المصري نجاح خطط الإصلاح الاقتصادي، والاستشهاد في ذلك بتقارير البنك الدولي عن الارتفاع المستمر لنسب النمو وتراجع نسب التضخم .
وأضاف التلفزيون الألماني أنَّ "غضب قطاعات كبيرة من المصريين الذين يعانون شظف العيش بشكل تتزايد حدته، فجَّرته الأرقام والادعاءات التي تحدث عنها محمد علي، الذي دعا إلى خروج المصريين إلى الشارع اعتراضًا على سوء الإدارة والفساد المستشري في مصر، وهو ما استجابت له أعداد كبيرة من الشارع المصري.
وتابعت: "فور الاحتقان شهدت مصر مظاهرات في عدة محافظات مصرية انطلقت فيما بدا أنه استجابة لدعوة المقاول والممثل المصري المقيم في إسبانيا محمد علي، والذي أثارت مقاطع الفيديو التي نشرها على الإنترنت زلزالًا مدويًّا في مصر، ما دفع السيسي بنفسه للخروج في مؤتمر مخطط له من قبل ولم يكن على الأجندة الرئاسية للرد على اتهامات له ولقيادات بالجيش المصري بالفساد وإهدار المال العام".
تزايد الضغط على المصريين
وفي الأعوام الأخيرة، تآكلت موارد الطبقة الوسطى لدرجة أن الناس بالكاد يستطيعون دعم بعضهم البعض، وفشلت الخطط الكبرى لنظام "السيسي" في إفادة الفقراء، وفي الواقع غرقوا في فقر أعمق.
ولم يحدث من قبل في تاريخ مصر أن كان هناك مثل هذا العدد الكبير من السجناء السياسيين، ويتصاعد القمع وتتزايد أعداد المعتقلين في البلاد يوما بعد يوم، وأصبحت هناك حاجة لبناء سجون جديدة بشكل مستمر.

صوت الناس
وتكمل: "نحو 60 ألف شخص، وصفهم نظام "السيسي" بدعوى أنهم "إرهابيون"، قد تم بالفعل سجنهم لأسباب سياسية. ومنذ الموجة الجديدة من الاحتجاجات، التي بدأت في 20 سبتمبر، زاد هذا العدد بشكل مطرد، حتى إن أفراد الجيش المصري كانوا مستهدفين بالاعتقالات، ومن الواضح أن "السيسي" يريد التخلص من أي منتقدين في الجيش قبل أن يصبحوا خطرين عليه.
واستطردت فقالت: إن الممثل "علي" يقدم نبذة حول ما يعرفه عن فساد الجيش في مصر، فإنه يدعو سائر المواطنين ممن يملكون معلومات مماثلة للإفصاح عما لديهم، ومما أثار قلق النظام أن الكثير من الناس بدءوا في فعل ذلك بالضبط.
ويتحدث "محمد علي" في المقاطع عن مشاركته في بناء العديد من المشاريع المدنية للجنرالات، مثل الفنادق والقصور الحديثة، التي لا علاقة لها بالدور العسكري الفعلي للجيش.
إلى أين تتجه مصر؟
وفتحت الاحتجاجات في مصر الكثير من الاحتمالات على مستقبل عبد الفتاح السيسي، إذ يواجه معارضة على نطاق أوسع، مدفوعة بشكاوى من التقشف الاقتصادي واتهامات بالفساد على المستوى الحكومي.
وأشارت إلى أن المظاهرات الأخيرة في مصر التي حملت شعارات "ارحل يا سيسي" بمثابة إنذار جديد لنظام السيسي، إذ يقول محللون إنه لن يكون من السهل كبح المعارضة من دون معالجة أسبابها الاقتصادية والسياسية. ولا يثق كثير من المصريين في وعود الحكومة بعد ثلاثة أعوام من التقشف المتفق عليه مع صندوق النقد الدولي مقابل قرض بقيمة 12 مليار دولار.
ورغم محاولة السيسي توجيه اتهام غير مباشر لجماعة الإخوان المسلمين المحظورة في مصر بإثارة الاحتجاجات، عندما قال إن اللوم يقع على "الإسلام السياسي"، ورغم حملة الاعتقالات الواسعة التي تجاوزت ألف شخص، وتكثيف الأمن تواجده في الميادين الرئيسية في المدن الكبرى، إلّا أن أسباب الاحتجاجات تضع البلاد على المحك.

مشاكل اقتصادية
تراجعت سندات مصر الدولارية وضاعت المكاسب التي حققها المؤشر الرئيسي للأسهم عام 2019 خلال ثلاثة أيام فحسب من الاحتجاجات.
وقال ألين سانديب، رئيس البحوث لدى النعيم للوساطة المالية، إن السلطات قد تعالج أسباب الشكاوى من خلال زيادة المنح المالية والمعاشات والتأمين للفقراء وإنشاء وحدات سكنية لأصحاب الدخول المنخفضة وهي إجراءات قد يوافق عليها صندوق النقد الدولي.
ورغم قيام القاهرة بإصلاحات اقتصادية أدت إلى استقرار الجنيه المصري، لم تتمكن الدولة من توفير فرص عمل من خلال تشجيع الاستثمار الأجنبي المباشر في القطاعات غير النفطية، وهو الاستثمار الذي تراجع في الأشهر الثلاثة الأولى من العام الحالي إلى أدنى مستوى له منذ خمس سنوات على الأقل.
تدهور الأحوال الاجتماعية
يعيش المصريون ضغطًا كبيرًا بعد تطبيق الدولة ضريبة القيمة المضافة، وخفضها قيمة العملة ورفعها أسعار الكهرباء والوقود. وقد أدت الإجراءات التقشفية إلى ارتفاع عدد المصريين الذين يعيشون تحت خط الفقر، إذ وصل الرقم إلى 32.5 في المئة في السنة المالية 2018/2017 بعد أن كانت النسبة 27.8 في المئة قبل عامين.
وتعدّ صعوبة الحياة هي الدافع وراء الاحتجاجات، إذ قال مصريون إنهم قد يشاركون في المظاهرات القادمة إذا ما تأكدوا من مشاركة أعداد كبيرة وذلك من أجل سلامتهم.
وقال محمد زارع، من معهد القاهرة لدراسات حقوق الإنسان غير الحكومي: "ما حدث تحذير خطير للغاية. الوضع ليس تحت السيطرة بالكامل"، مضيفا: "معظم الناس الذين خرجوا إلى الشوارع ليسوا أعضاء بأحزاب سياسية منظمة، ما يوضح مدى الغضب العام".