أثار إعلان قائد الانقلاب العسكري عبد الفتاح السيسي عن طرح بعض شركات القوات المسلحة في البورصة، انتقادات من جانب خبراء اقتصاديين، واعتبرها البعض خطوة لفتح الباب أمام خصخصة الشركات المرتبطة بالتصنيع العسكري المباشر.

وحذَّر الخبراء من تكرار تجربة تلاعب نظام المخلوع مبارك في البورصة، موضحين أن هذه المرة ستكون من خلال المؤسسة العسكرية، التي سوف تطرح أسهمها باعتبارها مدعومة من مؤسسة الرئاسة .

وقالوا إن هذه الخطوة تكشف إفلاس دولة العسكر وعجزها عن تمويل مشروعات الفنكوش التى يعلن عنها السيسي لخداع الشعب المصري .

كان السيسي قد أعلن، خلال افتتاحه عددًا من مشروعات الجيش البتروكيماوية بمنطقة أبو رواش الصناعية، عن عزمه طرح شركات الجيش بالبورصة، لكي تكون هناك فرصة للمصريين لأن يتملّكوا أسهمًا في هذه الشركات.

جاءت تصريحات السيسي، في إطار رده بشكل غير مباشر على الانتقادات الموجهة له بغياب الأولويات فيما يتعلق بالإنفاق الحكومي، وسيطرة الجيش على كل مفاصل الاقتصاد، ووجود شبهات فساد كشفها المقاول والفنان محمد علي، والتي كانت سببًا في مظاهرات 20 سبتمبر الماضي.

تجربة المخلوع

من جانبه أكد أشرف دوابة، رئيس الأكاديمية الأوروبية للتمويل والاقتصاد الإسلامي، أن هناك مبادئ حاكمة يجب الاتفاق عليها، وهي أن دخول الجيش في الأعمال والحياة المدنية أمر مرفوض لعدة أسباب، أهمها أن الجيش مهمته حماية الحدود، والتصنيع العسكري .

وقال دوابة: إن الخصخصة في حد ذاتها سياسة جيدة، يجب التوسع فيها طبقا لشروط وضوابط محددة، لأنها تنعش الاقتصاد، وتخلق بيئة جيدة للتنافس والشفافية والإصلاح المؤسسي، الذي ينعكس بدوره على النشاط الاقتصادي، مشيرًا إلى أن الوضع بمصر مختلف، بسبب سيطرة الجيش على القطاع الاقتصادي وكل ما يرتبط به، واستخدام فكرة الأمن القومي كسياسة حاكمة في التعاطي مع المشروعات التي يشارك فيها الجيش، وهو أمر في حد ذاته كفيل بغياب الشفافية والإصلاح، وعدم وجود أي منافسة شريفة ونزيهة، تساعد في صناعة البيئة الاقتصادية الجيدة، التي تتيحها الخصخصة.

وتوقع أن تكون هناك مآرب أخرى للنظام وراء هذه الخطوة، مثل الحاجة لمزيد من الأموال بسبب تأزم الوضع الاقتصادي، ووجود شح في السيولة، وعزوف المستثمرين عن الشراء في الشركات الحكومية التي تم طرحها بالفعل، ومن هنا جاءت فكرة طرح الشركات العسكرية المتحكمة في السوق، لأنها الوحيدة التي تحقق أرباحا جيدة الآن، ويمكن أن تجذب المستثمرين، بالإضافة إلى أنها يمكن أن تكون محاولة لتخفيف الضغط على الجيش، باعتباره المتحكم في الاقتصاد والسوق .

وأوضح دوابة أن طرح شركات الجيش في البورصة يحتاج لعدة إجراءات، منها “إعادة الهيكلة الإدارية والقانونية لهذه الشركات، وإخضاعها لقوانين هيئة الاستثمار، ورأس المال، والشركات المساهمة المحدودة وغير المحدودة، ووجود متطلبات أخرى لحماية المساهمين، في ظل السمعة التي يتمتع بها الجيش خلال الفترة الراهنة، وتحكمه في الاقتصاد بأشكال مختلفة .

وأشار إلى أن توغل الجيش وسيطرته على مختلف القطاعات، وضعه في أزمة تمويل كبيرة، وفي ظل زيادة معدلات القروض، فإن النظام بدأ في البحث عن آليات تمويل بديلة، تمكنه من تجاوز أزمة السيولة التي يعاني منها في قطاعات المقاولات على وجه التحديد، التي أصبح الجيش المحتكر الأساسي لها، وفي المقابل فإن الركود الذي يشهده القطاع العقاري حوّل الأموال التي تم إنفاقها بهذا القطاع لكتل خرسانية في الصحراء .

وحذر دوابة من أن التخوف الأساسي هو تكرار تجربة تلاعب نظام مبارك في البورصة، ولكنها هذه المرة ستكون من خلال المؤسسة العسكرية، التي سوف تطرح أسهمها باعتبارها المدعومة من مؤسسة الرئاسة، وعدم التعامل معها سوف يعد بمثابة الخيانة العظمى، وهو أمر كفيل بتدمير البورصة المصرية، التي تعاني من مشاكل متعددة، وخسائر متتالية نتيجة سياسات نظام السيسي .

سر حربي

كما حذّر رضا فهمي، رئيس لجنة الدفاع والأمن القومي السابق بمجلس الشورى، من خطورة خصخصة شركات الجيش، حتى لو كانت الشركات المرتبطة بالأعمال المدنية، مثل شركة وطنية للمشروعات، ووطنية للصوبات الزراعية، وشركات جهاز الخدمة العامة، وغيرها من الشركات التي تم إنشاؤها كغطاء للسيطرة العسكرية على السوق .

وأشار فهمي إلى أن هناك شركات تابعة لوزارة الإنتاج الحربي، وأخرى تابعة للهيئة العربية للتصنيع، بالإضافة للهيئة الهندسية للقوات المسلحة، التي تتولى تقريبا تنفيذ 50% من المشروعات بمصر الآن، وهي مؤسسات لها مهام عسكرية في الأساس وليست مدنية .

وأوضح أنه من الناحية العملية فإن اقتصاد الجيش يُعد سرًّا حربيًّا، وأحد محددات الأمن القومي التي فرضها السيسي على مصر خلال السنوات الماضية، وكان ذلك أحد أسباب الانقلاب على الرئيس الراحل محمد مرسي، الذي كان يسعى لفرض الرقابة البرلمانية على اقتصاد الجيش، وهو ما يثير التساؤلات عن هدف السيسي الآن بإخراج هذا السر للعلن، وفتحه لبطن الجيش وميزانية بعض هيئاته أمام الرأي العام.

ويضيف رئيس لجنة الدفاع والأمن القومي السابق، قائلا: “لو كانت الأمور قاصرة على محطات تموين البنزين والسولار، وشركات العقارات، فإن الأمر يمكن تمريره، ولكن الخطورة أن يكون ذلك بداية لخصخصة قطاعات أخرى لها صلات مباشرة بالتصنيع العسكري، حتى لو كان الموضوع من بدايته لنهايته لعبة يتحكم فيها العسكر لحصد المزيد من الأموال .

شفافية وحوكمة

وأعرب المحلل المالي عمرو السيد عن عدم تفاؤله من طرح شركات الجيش بالبورصة، مشيرًا إلى أن عملية الطرح تحتاج إلى معايير شفافية وحوكمة تفتقدها الشركات التابعة للقوات المسلحة.

وقال السيد: إن حكومة الانقلاب فشلت حتى الآن في طرح شركات القطاع العام في البورصة لأمور أيضا ترتبط بالشفافية والإفصاح، فما بالك بشركات القوات المسلحة التي لا يعرف أحد عنها شيئًا، ولن يسمح بذلك في الوقت القريب .

وأكد أنه لو تم طرح شركات الجيش بالبورصة المصرية بطريقة صحيحة ومعايير سليمة فسينعكس بالإيجاب على أداء البورصة، سواء على صعيد زيادة أحجام التداول أو جذب مستثمرين جدد، وهو ما يفسر سرعة التفاعل الإيجابي لمؤشرات السوق عقب تصريحات السيسي في هذا الصدد .

تراث تاريخي

وتساءل الخبير الاقتصادى، ممدوح الولى، هل يمكن أن يتخلى الجيش بعد زيادة أعماله وسلطانه طواعية عن نسبة من أسهم بعض شركاته؟ وهل يسمح الجيش- بما لديه من قدرات مالية كانت تقرض الدولة عام 2012 فما بالنا بما هي عليه اليوم- للقطاع المدني أن يدخل معه شريكًا في بعض شركاته التي اعتبرها حصيلة عرقه؟.

وأكد أن هناك عدم قبول لذلك من البعض داخل أوساط الجيش، في ظل التراث التاريخي الذي أشار إليه اللواء محمد نجيب، أول رئيس لمصر، في مذكراته بأن الجيش لا يفضل أن يكون له شريك في أي من الأمور، بينما السماح للقطاع المدنى بشراء أسهم من شركات الجيش يعنى دخول شريك يتقاسم الأرباح، ويتقاسم مسئولية إدارة تلك الشركات ويطلع على كافة أسرارها وأنشطتها.

وأوضح الولى أن قواعد قيد الشركات بالبورصة المصرية، حسب قرار مجلس إدارة الهيئة العامة لسوق المال رقم 30 لسنة 2002، يقتضي ألا يتضمن النظام الأساسي للشركة طالبة القيد بالبورصة، أية قيود على تداول الأوراق المالية المطلوب قيدها، أي على المستوى العملي لا يمكن وضع قيود على تداول تلك الأسهم بأن تكون للجهات الحكومية فقط، أو لا يتم السماح للأفراد بشرائها، أو لا يتم السماح لأصحاب جنسية معينة أيا كانت بامتلاك تلك الأسهم.

وأضاف: أيضا يجب تقديم بيان معتمد من المحاسب القانونى للشركة بالموقف الضريبى وفقا لما يقضي به قانون الضرائب، وأيضا التزام الشركة طوال فترة القيد بالبورصة بإخطار البورصة فورا، وقبل بدء جلسة التداول بأية تعديلات تطرأ على الإفصاحات المرفقة بطلب القيد، أو أي تغيير فى البيانات التي قدمتها عند القيد أو في البيانات الواردة بنشرة الاكتتاب أو الطرح لأسهمها، وتقديم قوائم مالية لسنة مالية كاملة سابقة معدة وفقًا لمعايير المحاسبة المصرية، وتمت مراجعتها وفقًا لمعايير المراجعة المصرية بواسطة أحد مراقبي الحسابات المقيدين بسجل هيئة الرقابة المالية، وتم التصديق عليها من الجمعية العامة للشركة، وتقديم قوائم مالية ربع سنوية من القوائم المالية للشركة يُرفق بها تقرير فحص محدود من مراقب حسابات الشركة، خلال 45 يوما على الأكثر من تاريخ الفترة المذكورة.

وأشار الولى إلى إجراءات أخرى تتعرض لها الشركة المقيدة بالبورصة، من قبل الجمعية العمومية بها، حسبما يقتضي القانون رقم 159 لسنة 1981 الخاص بالشركات المساهمة، والذي يعطى في المادة 59 منه الحق لكل مساهم بالشركة- أى لكل حامل لأسهمها- الحق فى حضور الجمعية العمومية للشركة بطريق الأصالة أو النيابة من خلال توكيل، كما تعطي المادة 72 من القانون لكل مساهم يحضر اجتماع الجمعية العمومية، الحق في مناقشة الموضوعات المدرجة في جدول الأعمال، واستجواب أعضاء مجلس الإدارة ومراقبي الحسابات بشأنها، وله أن يقدم ما يشاء من الأسئلة، ويقع باطلا كل نص في النظام الأساسى للشركة ينص على حرمان المساهم من هذا الحق.

Facebook Comments