في ظل القمع الأمني المتحكم في عقلية السيسي ونظامه الحاكم، وبعد اقتحام غير قانوني وقامع لأدنى درجات حرية الصحافة وبعد اقتحام مقر “مدى مصر” واعتقال ثلاثة من صحفييه وتفتيش أجهزة الكمبيوتر والهواتف، والتوجه بالصحفيين لقسم شرطة الدقي، وسط انتقادات وإدانات للقمع الذي تتعرض له الصحافة والصحفيين بعهد السيسي في مصر.
الجريمة التي ارتكبها نظام السيسي ويرتكبها كل يوم بحق الصحافة والصحفيين، كشفت عورات السيسي أمام الغرب وفضحته وأظهرته كنعامة أمام إملاءات الغرب وتوجيهاتهم، فيما التجبر على الوسائل الإعلامية المصرية والصحفيين المصريين، مع كامل الإدانة لما حدث بوقع “مدى مصر”.. فالحرية لا تتجزأ.
كواليس الخضوع
وكانت مصادر سياسية وإعلامية كشفت عن تفاصيل ساعات أزمة صحفيي موقع “مدى مصر”، التي أشعلها تقرير إخباري حول إبعاد العميد محمود السيسي، نجل قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي، من جهاز الاستخبارات العامة الذي كان يشغل فيه منصب وكيل الجهاز، برفقة العميد أحمد شعبان، مساعد رئيس الجهاز، عباس كامل.
وقالت المصادر: إنه كان هناك قرار بتوجيه ضربة قوية للموقع، وللصحفيين العاملين فيه، بعدما تجاوزوا خطوطًا حمراء شديدة الحساسية، بتناولهم لاسم نجل السيسي، وإصرارهم على التصعيد، عبْر اثنين من رسوم الكاريكاتير اللذين كانا بمثابة إهانة شديدة له.
وأضافت المصادر أن قوة شرطة المصنفات، المصحوبة بضابطٍ من جهاز الأمن الوطني، والتي دهمت الموقع، ظهر الأحد، لمدة أربع ساعات، فتشت كافة أجهزة الكمبيوتر التي يستخدمها الصحفيون فيه، محاولةً الوصول إلى المصادر التي أمدّت “مدى مصر” بما تمّ نشره وتضمنه التقرير الإخباري حول نجل السيسي.
وأشارت المصادر إلى أن أفراد الأمن حاولوا الاستيلاء على الهواتف النقالة للصحفيين الذين كانوا في مقر الموقع بالدقي إلا أنهم لم يتمكنوا من الوصول إلى أي معلومات فيها، بعد تمسُّك فريق العمل بعدم منحهم كلمات المرور لمحتوى الهواتف.
وأوضحت المصادر أنه كان هناك قرار بفتح قضية بنشر أخبار كاذبة، وتناول معلومات عسكرية واستخبارية من شأنها إفشاء أسرار عسكرية”، وأن صحفيي الموقع الذين أُلقي القبض عليهم، وهم رئيسة التحرير لينا عطا الله، ورنا ممدوح ومحمد حمامة، كانوا في طريقهم إلى نيابة أمن الدولة العليا لبدء التحقيق معهم في القضية التي اعتزمت جهة سيادية فتحها لهم، قبل أن يفاجأوا بعودة سيارة الشرطة التي تُقلهم مجددا إلى قسم شرطة الدقي، حيث تمّ إبلاغهم بأنه سيجري إطلاق سراحهم بعد إنهاء الإجراءات.
السر في مكالمة
وعلى طريقة القضاة الذين يحكمون بقضايا المعارضين للسيسي، واعتمادهم سياسة “الحكم بعد المكالمة”، تم تغيير القرار بإطلاق سراح فريق عمل الموقع بعد القبض عليهم؛ حيث لم يكن يتوقع مَن خططوا لتلك الخطوة– في إشارة إلى أجهزة أمنية سيادية- حجم رد الفعل الذي سيحدث. بالإضافة إلى ذلك، فإن القوة التي نفذت الحملة على مقر الموقع، لم تكن قد قامت بالتحريات الكافية قبلها؛ حيث فوجئت بوجود صحفيين هناك من ثلاث جنسيات أجنبية، بينهم أمريكي، وصحافية إنجليزية، وفريق عمل من قناة “فرانس 24” كان يقوم بتغطية من داخل الموقع، للقبض على الصحفي العامل فيه، شادي زلط، قبل عملية الاقتحام بيومين.
وأكدت المصادر أن مندوبين من السفارة الفرنسية كانوا قد وصلوا إلى مقر الموقع عقب عملية مداهمته، نظرًا لوجود فريق القناة الفرنسية داخله، قبل أن يجري منعهم، ليقوموا بالاعتصام أمام المقر خلال عملية تفتيش أجهزة الأمن له.
واستطردت المصادر أنه “بعد انتقال الصحفيين إلى قسم الدقي، وصل مندوب من السفارة الأمريكية، وآخر من السفارة البريطانية، إلى مقر القسم، لمتابعة التحقيقات والوقوف على التفاصيل، وفتح خط اتصال مباشر مع مسؤولين رفيعي المستوى في بلدانهم”. وبعد ذلك، تدخلت رئاسة الجمهورية بشكل مباشر، بحسب المصادر، ليتم على إثرها اتخاذ قرار بالإفراج عن الصحفيين المحتجزين، كاشفة في الوقت ذاته عن أن مسئولاً رفيع المستوى في الحكومة البريطانية اتصل بمسئول مصري، ودعاه للتراجع عن تلك الخطوة.
وبحسب المصادر، فإن رئيس الهيئة العامة للاستعلامات ضياء رشوان، أجرى سلسلة اتصالات بمسئولين مصريين نافذين، دعاهم خلالها إلى التراجع عن توجيه أيّ اتهامات للصحفيين، وضرورة إطلاق سراحهم، وذلك بعد سيلٍ من الاتصالات من وسائل إعلام غربية وأميركية تواصلت معه للوقوف على تفاصيل الأزمة ونشرها، ما قد يتسبب في كارثة قبل مؤتمر شباب العالم المقرر في 17 ديسمبر المقبل.
وأوضحت المصادر أن مسئولين غربيين نصحوا شخصيات بارزة في الإدارة المصرية بضرورة التجاوب مع التحذيرات التي تلقّوها بشأن عدم التصعيد في أزمة موقع “مدى مصر”، خصوصًا أن القبض على الصحفيين سيستفز الرأي العام الأوروبي، وبالتحديد في البلدان التي ينتمي إليها صحفيون يعملون لدى الموقع، ما سيضطر الجهات الرسمية فيها إلى اتخاذ موقف صارم ضد القاهرة.
العساكر ملوك الانبطاح
ما حصل من انبطاح السيسي أمام مطالبات الغرب بإطلاق سراح الصحفيين، واقعة تهز سمعة مصر الدولية، كما تهز الاعتقالات والقمع الأمني سمعة الدولة أيضا، كانت قد تكرر مثلها في عهد العسكر، فلم ينس المصريون إفراج المشير طنطاوي خلال حكم المجلس العسكري في 2011 عن المتهمين الأجانب بقضية التمويل الأجنبي، وإخراجهم من مصر على متن طائرة عسكرية، وكذا إجبار أمريكا السيسي على إطلاق الناشطة الحقوقية آية حجازي، وأيضا الإعلامي والناشط محمد سلطان الذين يحملون الجنسية الأمريكية، وغيرهم بالمخالفة للقانين الظالمة التي يطبقها العسكر على المصريين.
وهو ما يؤكد اعتماد السيسي والعسكر لسياسة “أسد عليّ وأمام الأجانب نعامة”.. وهو ما يستوجب ماكمة العسكر وإجلاءهم عن الشعب المصري الذي يواجه القمع الأمني والعصف العسكري بحقوقه الطبيعية من ممارسة حرياته والتمتع بحقوق في وطنه.. الذي باتت جنسيته المصرية سببًا في التنكيل به وقمعه.
