لم تجب سالي صلاح التي تُعرّف نفسها بأنها أكاديمية نشاطها الأساسي في مصر، وليست مقيمة أو عاملة بشكل مباشر في كندا، فهي الرئيس التنفيذي لشركة Smart Strategic Business Solutions بالقاهرة، شركة استشارية متخصصة في التخطيط الاستراتيجي وإدارة النمو والتسويق الدولي والمحاضِرة الرئيسية في برنامج الدبلومة التنفيذية الكندية للقيادة الاستراتيجية للأعمال، الذي تنظمه الغرفة الكندية للتجارة في مصر، وهو برنامج دولي المستوى يُقدَّم داخل مصر وليس في كندا بحسب تعريف نفسها أما السؤال: "أنت بتتكلمي من مصر؟" وبصيغ متعددة لم تجب عليه مطلقا.
ويعكس هذا العنوان بوضوح أن هناك مساحات مفتوحة، أو ثغرات في المجال العام الرقمي تُستخدم كأدوات مراقبة، ليس فقط لمعرفة من ينتقد أو يعارض، بل أيضًا لتقدير مستوى الغضب الشعبي، وتحديد أسماء الناشطين، وصياغة الاتهامات الموجهة لهم رغم أنها متاحة في كل خبر تنشره المواقع والصحف عبر منصات التواصل الاجتماعي.
والأخطر أن هذه الثغرات قد لا تكون تحت سيطرة أجهزة محلية فقط، بل يمكن أن تُستغل من جهات خارجية، وهو ما يجعل الأمر أكثر خطورة لأنه يعني أن بيانات المجتمع والمعارضة قد تكون في يد أطراف أجنبية بل هي في هذا الإطار.
وفي ظل غياب معارضة منظمة أو قادرة على العمل بحرية في مصر، يظهر أحيانًا أصوات من الداخل، سواء إعلاميين مثل إبراهيم عيسى أو محللين مثل سالي صلاح، يقدمون نقدًا للنظام من موقع أقرب إلى "المسموح" أو "المراقَب". هذا النقد لا يكون معارضة بالمعنى التقليدي، بل أشبه بانتقادات داخلية أو تحذيرات من داخل المجال العام الذي تسيطر عليه الدولة، فتقوم بما يمكن أن يكون ضربات ولكن متفق عليها، كالتي كانت في فيلم هنيدي "فول الصين العظيم".
منشور إبراهيم عكاشة
وجذبت سالي صلاح معها الاهتمام بما يكتبه "إبراهيم عكاشة" ليس ردًا على نقد، بل وثيقة إنذار داخلي تقول: إن "الوضع وصل إلى مرحلة الخطر، وإن الخطاب كشف الخوف، فكان لا بد من ترميم الصورة قبل الانفجار".
لكنها تؤكد أن التطمين ليس بديلًا عن الإصلاح، وأن الولاء ليس بديلًا عن العدالة، وأن الجيش ليس بديلًا عن الدولة، وفي رسالتها الأخيرة، تضع القضية في إطار جيل جديد، جيل Z، الذي لن يفهم الولاء بل سيفهم الحق والشفافية والكرامة.
والواقع بحسب مراقبين يشير إلى أن أي شخصية عامة أو أكاديمية تعمل داخل مصر لا بد أن تتحرك ضمن هوامش تسمح بها الدولة، حتى لو كانت تنتقد، والنقد في هذه الحالة قد يُستخدم كصمام أمان أو كجزء من خطاب إصلاحي داخلي، لكنه يظل في النهاية مرتبطًا بالسياق العام الذي تحدده السلطة.
وبمعنى آخر، وجودها ونشرها لهذه التحليلات يعكس مساحة من النقد المسموح، لكنه لا ينفي أنها تتحرك داخل الإطار العام الذي تضعه الدولة، سواء كانت أقرب إلى المعارضة أو أقرب إلى الإصلاح من الداخل.
ونشرت منصة حزب تكنوقراط مصر @egy_technocrats رسالة سالي صلاح ولم تشر للرابط وهو:
https://www.facebook.com/sally.salah.7315/posts/10173737516845711/
وكتب السيد "عكاشة" ، ((السيسي قام بتكليف عدة جهات بمراقبة اداء الحكومة، ومدى توافق قراراتها مع حال الناس، والتكليفات دي لم تنجح للأسف، لذلك قرر السيسي قرارات هينفذها بنفسه وبدايرته الخاصة، رجال المهام الوطنية الخالصة، السيسي عمره ما كان ضد الشعب ولا عمره كان متقاعس، لكن اتخذل من ناس كتير كانت مش على قدر المسؤولية وجرب مرة واتنين وخمسة بالطرق المعتادة اللي هي التكليف الهرمي، حان وقت ضبط أمور كتير، ثقوا في السيسي والجيش وشدوا خط تحت الجيش، تجيبها يمين تجيبها شمال ملناش غير الجيش، تفاءلوا بالخير تجدوه).
واعتبرت الدكتورة سالي صلاح عبر حسابها على فيسبوك في قراءة سياسية ناقدة، بل وصادمة، للخطاب الرسمي وللمنشورات التي تصدر عن الصفحات المؤيدة للنظام؛ أن ما يُقدَّم للناس ليس دعمًا ولا أملًا، بل مجرد "جرعة مورفين سياسية" هدفها تهدئة الشارع وإخفاء حقيقة أن الشرعية انهارت وأن السيسي بدأ يتهرب من الحساب، هذا التوصيف يضع الخطاب الرسمي في خانة الدفاع الذاتي، حيث يظهر السيسي متوترًا، يبرر وينفي، بينما تأتي المنشورات المؤيدة لتغلف هذا الخوف في صورة "حكمة استراتيجية".
في تحليلها، تذهب سالي صلاح إلى أن المنشور الذي يقول: إن "السيسي و(تسميه بوظيفته) قرر أن يعمل بنفسه، لأن الحكومة فشلت، ليس ولاءً بل اعترافا ضمنيا بأن النظام فقد السيطرة على أدواته، فهي تؤكد أن الحكومة ليست ضحية، بل تعمل بتعليمات السيسي نفسه، وبالتالي فإن المسؤولية الأولى تقع على من يختار القيادات ويديرها، هذا التفكيك يضع المسؤولية مباشرة على رأس السلطة، لا على المؤسسات التنفيذية.
ثم تنتقل إلى نقد فكرة "رجال المهام الوطنية الخالصة"، معتبرة أن هذه اللغة تعكس إنشاء دولة موازية قائمة على شبكات ولاء شخصية، لا مؤسسات وطنية، هذا في رأيها هو ما أدى إلى تحول الاقتصاد إلى "اقتصاد ظل" خارج المساءلة، وهو السبب المباشر للأزمات الحالية، كذلك تنتقد العبارة التي تكررت في المنشور "ملناش غير الجيش"، وترى أنها كارثة وطنية لأنها تعني نهاية الدولة المدنية وتحويل الجيش إلى مرجعية وحيدة، بينما يُستخدم اسمه لتغطية سياسات اقتصادية مثيرة للجدل مثل بيع أراضي الدولة لصناديق سيادية.
في فقرة أخرى، ترفض سالي صلاح خطاب التفاؤل في زمن الجوع والخيانة، مؤكدة أن الشعب لا يريد شعارات بل يريد شفافية: من باع مصانع الأدوية؟ لماذا وصلت الديون إلى 130% من الناتج المحلي؟ لماذا الفلاح لا يأكل من محصوله؟ بالنسبة لها، الدعوة إلى التفاؤل هي دعوة للاستسلام وليست دعوة للأمل.
نماذج شبيهة
وفي ظل غياب معارضة منظمة أو قادرة على العمل بحرية في مصر، يظهر أحيانًا أصوات من الداخل، سواء إعلاميين مثل إبراهيم عيسى وبدرجة أقل لميس الحديدي وبدرجة ما باسم يوسف أو محللين مثل سالي صلاح، أو نشطاء مثل ممدوح حمزة وساويرس يقدمون نقدًا للنظام من موقع أقرب إلى "المسموح" أو "المراقَب"، هذا النقد لا يكون معارضة بالمعنى التقليدي، بل أشبه بانتقادات داخلية أو تحذيرات من داخل المجال العام الذي تسيطر عليه الدولة.
هم معروفون بانتقاداته اللاذعة، لكنهم ظلوا جزءًا من المشهد الإعلامي الرسمي، يظهر على قنوات مصرية ويكتب في صحف مصرية، يعكس أن الدولة تسمح بقدر معين من النقد، ربما لتفريغ الغضب أو لإظهار صورة "التعددية"، لكن دون أن يصل إلى مستوى تشكيل بديل سياسي حقيقي.
وفي كتابات سالي صلاح، تقدم تكوينًا مشابهًا: نقد مباشر للسياسات الاقتصادية والخطاب الرسمي، لكنها تفعل ذلك من داخل مصر، وفي إطار يسمح بظهورها كخبيرة أو محللة وقد تكون أو يكون ضابط بالأمن الوطني أو المخابرات، هذا يجعلها أقرب إلى نموذج "النقد من الداخل"، حيث يُسمح بانتقاد الأداء أو السياسات، لكن دون تجاوز الخطوط الحمراء التي قد تُعتبر تهديدًا مباشرًا للنظام.
تغييب المعارضة الحقيقية يظهر بوضوح في حالة مثل أحمد طنطاوي، الذي حاول أن يقدم نفسه كبديل سياسي مستقل، فواجه الحبس لسنة كاملة. هذا المثال يوضح أن أي محاولة لبناء معارضة منظمة أو تقديم بديل سياسي خارج الإطار المسموح به تُواجَه بالقمع المباشر، بينما النقد من الداخل، حتى لو كان حادًا، يُترك أحيانًا كجزء من "هوامش التعبير" التي لا تهدد البنية الأساسية للسلطة مثل موقع مدى مصر أو المنظمات الحقوقية التابعة، وهي في المجمل وجهة نظر في محتوي يعرضه التواصل.

