مع إعلان إسرائيل استعدادها لمشاركة إثيوبيا في إدارة سد النهضة، تقترب التوقعات والمخاوف التي سبق وأن حذر منها كثير من الوطنيين، من تلاعب إسرائيل بمصر في ملف المياه، عبر التنسيق مع إثيوبيا ودول إفريقيا للضغط على مصر، وفق استراتيجية شد الأطراف المتبعة منذ القرن الماضي ضد مصر.
حيث أبدت نائبة المدير العام للشئون الإفريقية بوزارة الخارجية الإسرائيلية “آينات شيلين”، استعداد إسرائيل لتقاسم تجربتها الواسعة في إدارة المياه مع إثيوبيا، وذلك دون اعتبار لظروف مصر المأزومة بسبب السد، ولا اعتبار لعلاقات مصر الحميمية مع الكيان الصهيوني بعهد السيسي.
وجاء ذلك خلال لقاء “آينات” مع وزيرة الدولة للشئون الخارجية الإثيوبية “هيروت زمين”، والذي ناقش عددًا من القضايا الثنائية والإقليمية ذات الاهتمام المشترك، بحسب وكالة الأنباء الإثيوبية “إينا”، السبت الماضي.
من جهتها، أكدت وزيرة الدولة الإثيوبية أن أديس أبابا ظلت متمسكة بالاتفاقيات الأخيرة الموقعة بين الجانبين، خلال زيارة رئيس الوزراء “آبي أحمد” لـ(إسرائيل)، للتعاون في مجال الأمن السيبراني والزراعة والصيد وزراعة الأسماك.
وفي سبتمبر الماضي، قال السفير الإسرائيلي لدى إثيوبيا: إن حكومته تعمل على إدخال نظام الري الحديث في إثيوبيا.
العرض الصهيوني لإثيوبيا أثار غضب وقلق خبراء ومراقبين مصريين؛ إزاء عرض (إسرائيل) خبرتها في إدارة ملف المياه على الجانب الإثيوبي، معتبرين أن تلك الخطوة تهدف إلى تركيع القاهرة، وممارسة ضغوط عليها.
ولفت الخبراء إلى أن العلاقات بين تل أبيب وأديس أبابا بدأت تأخذ منعطفًا جديدًا، بعد زيارة رئيس الوزراء الإثيوبي “آبي أحمد” لتل أبيب، وفقًا لموقع “روسيا اليوم”.
معتبرين أن الأمر ليس غريبًا أن تسعى إسرائيل إلى إدارة ملف المياه مع إثيوبيا، فهو يتماشى مع شعاراتها المسجلة على الكنيست، أن دولة إسرائيل من النيل إلى الفرات، وهو ما تصبو إليه في مخطط الهيمنة على الأراضي العربية.
وذهب بعض المراقبين للقول إن “المحادثات بين إثيوبيا وإسرائيل هي بمثابة استمرار لذلك المخطط الذي يهدف إلى تركيع مصر عبر السيطرة على المياه في إثيوبيا”.
واستراتيجيًّا، يأتي العرض الصهيوني متماشيا مع استراتيجية التلاعب الصهيوني في أعماق القارة الإفريقية ضد مصر؛ بهدف تحقيق أحلام وطموحات (إسرائيل) في الانتفاع بأي شكل وأي طريقة بمياه النيل، وهو ما دفع قادتها إلى اللهاث خلف أي أزمة وأي مشكلة تخص النيل، مرة بالتحريض على أفعال معينة لأطراف بعينهم، أو تفويض طرف ثالث ببيع وتسليم صواريخ دفاع جوي حتى لا تظهر في الصورة، ومرة بعرض الخدمات.
كما أن لدى إسرائيل أهدافًا واضحة في التواجد في القارة الإفريقية وصولا إلى الاتحاد الإفريقي، وتتطلع لأن يكون لها صفة مراقب أسوة بفلسطين.
وفي ذات السياق؛ يقول خبير المياه “نادر نور الدين”: إن الخبراء الإسرائيليين موجودون في إثيوبيا لإدارة وترشيد الموارد المائية المتاحة، وهذا ليس له شأن بتخزين المياه ولا بإقامة السدود.
وأضاف: “هذا التعاون قائم بين إسرائيل وكل دول إفريقيا طبقا لتكليف الأمم المتحدة لإسرائيل، بتطوير نظم الري واستخدامات المياه والأمن الغذائي في إفريقيا منذ عام 2010.”
كماشة إثيوبية صهيونية
وفي سياق التصعيد ضد مصر، أعلن وزير الري الإثيوبي “سيلشي بقلي”، السبت، عن أن المرحلة الأولى من تعبئة بحيرة سد النهضة ستبدأ في يوليو المقبل.
وقال “بقلي”، خلال الاجتماع الثالث لوزراء الموارد المائية والوفود الفنية من مصر والسودان وإثيوبيا في الخرطوم: إن “الاجتماع يهدف لمناقشة آلية تعبئة حوض بحيرة سد النهضة”.
وهو ما مثّل صدمة للجانب المصري، اضطر أمامها وزير الري المصري محمد عبد العاطي، إلى التراجع للوراء، معلنا عن أمله في التوصل لتفاهمات بشأن عملية تعبئة حوض سد النهضة، وقال: “مستعدون للتفاوض بشكل صادق لحل الخلافات فيما بيننا”.
من جانبه، قال وزير الري السوداني “ياسر عباس”: “نحاول تطبيق مبادئ قانون المياه الدولي والذي يقر الاستغلال العادل لمياه الأنهار”.
وكانت واشنطن قد أقرت، بموجب تدخلها في الأزمة، عقد 4 اجتماعات بين أطرافها المعنية للوصول لاتفاق حول قواعد ملء وتشغيل السد قبل 15 يناير المقبل.
وتهدف مصر، في هذه المفاوضات، ألا تقل التدفقات المائية من النيل الأزرق عن 40 مليار متر مكعب سنويًا، مقارنة بـ55 مليارًا في الوقت الحالي، وهو ما يعني أن مصر ستتخلى عن 27% من حصتها المائية.
وفي وقت سابق، كشفت وكالة “بلومبرج” عن أن الوساطة الأمريكية بين مصر وإثيوبيا بشأن الخلاف حول المدى الزمني لملء خزان “سد النهضة” قد تساعد على إنهاء ذلك المأزق الحاد بين البلدين.
وهناك خلافات مصرية إثيوبية، حول قواعد ملء وتشغيل السد، والحصة المائية المطلوب تأمين تمريرها للقاهرة والخرطوم؛ حيث تبلغ الحصة السنوية لمصر من مياه نهر النيل 55 مليار متر مكعب، بينما يحصل السودان على 18.5 مليارا، لكن المفاوضات الجارية تسعى إلى وضع تصور جديد لحصة كل دولة مستقبلا.
ومع تمدد الكماشة الإثيوبية الإسرائيلية في القارة الإفريقية عامة، عانت القاهرة خلال الفترة الماضية من حجم وقوة شبكة علاقات وتحالفات أديس أبابا، والتي تديرها الحكومة الإثيوبية الحالية ببراعة من أجل تحقيق أكبر قدر من المكاسب، على حد تعبير المصادر.
وعلى صعيد حلفاء النظام المصري، واجهت القاهرة صعوبات كبيرة في أن تقنعهم بموقفها، وتحثهم على تقديم يد العون، نظرا لما يربطهم من علاقات قوية مع أديس أبابا.