التحرش بالفتيات أصبح ظاهرة بشوارع مصر فى عهد العسكر؛ لأن نظام الانقلاب بقيادة عبد الفتاح السيسي تعمد قتل الرجولة ودفن النخوة والشهامة، ووجّه جيشه وشرطته ومليشياته لاعتقال وتصفية الأحرار والشرفاء، وكانت النتيجة أن شرف بنات مصر ضاع، وكرامتهن لم يعد لها محل من الإعراب، وأصبحنا أضحوكة بين شعوب العالم، لدرجة أن الدول المحترمة تحذر أبناءها وبناتها من السفر إلى مصر .
وفى عام 2019 تزايد التحرش بصورة غير مسبوقة، فلم يعد المتحرش يميز بين طفلة صغيرة فى السن وبين سيدة عجوز؛ فالكل سقط فى مستنقع التحرش، والجنون سيطر على الكبار والصغار بسبب غياب التوجيه الديني والتربوي، وهيمنة العسكر بجهلهم على أجهزة ومؤسسات الدولة، وتوجيهها لمحاربة ما يزعمون أنه إرهاب وهم في الحقيقة يحاربون الإسلام والقيم والأخلاق؛ من أجل تدمير المجتمع لصالح الصهاينة والأمريكان .
كان آخر ما شهده العام 2019، حادث تحرش جماعي بإحدى الفتيات بمدينة المنصورة خلال احتفالات ليلة رأس السنة، حيث تداول ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي مشاهد صادمة تُوثق لحظة تحرش جماعي بفتاة أثناء احتفالات رأس السنة، التي استمرت حتى الساعات الأولى من يوم الأربعاء.
ويظهر الفيديو محاولة عشرات الشبان التحرش بالفتاة؛ فيما يحاول البعض حمايتها وإنقاذها وسط حالة من الصراخ الهيستيري والبكاء التي انتابت الفتاة.
وتمكن شبان في النهاية من إنقاذها ووضعها داخل سيارة، والانطلاق بها بعيدًا عن مكان الواقعة وعشرات الشباب المحيطين بها.
وأثار الحادث مشاعر سخط واسعة بين المصريين الذين طالبوا “العسكر” بتوفير الأمن والأمان والقبض على الجناة، وأعربوا عن أسفهم لفشل دولة العسكر فى كل المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية، مؤكدين أنّ انقلاب السيسي دمر مصر على كل المستويات.
من جانبها كشفت الأمم المُتحدة أن نسبة 99.3% من الإناث يتعرضن للتحرش والعُنف الجنسي في شوارع ومُدن مصر، وهو ما يعني أن العُنف الجنسي يكاد يطول كل الإناث في دولة العسكر، وتظهر العديد من التقارير الحقوقية في الداخل والخارج حقيقة صادمة ومرعبة، تتمثل في التزايد الملحوظ لوتيرة العُنف الجنسي ضد النساء مع توقعات باستمرار تزايده خلال السنوات المُقبلة. وحذرت التقارير من أنه في المستقبل القريب قد تصبح المُدن المصرية مكانا غير آمن للإناث.

الجامعة الأمريكية
وطالبت دراسة للجامعة الأمريكية بالقاهرة بضرورة مواجهة التحرش فى مصر، زاعمة أنه “تمييز جنسي يهدف لإخضاع المرأة وعدم تمكينها ومعاقبتها على تنافسها مع الرجل” .
وتضمنت الدراسة التى أجراها الدكتور هانى هنرى، رئيس قسم علوم الاجتماع والإنسان والنفس والمصريات بالجامعة بعنوان “التحرش الجنسى فى الشوارع المصرية: إعادة النظر فى النظرية النسوية”، إجراء مقابلات مطولة مع 9 ذكور من شوارع القاهرة والجيزة، تحدثوا عن 5 موضوعات رئيسية يبررون بها ارتكاب فعل التحرش.
وأشارت إلى أن الموضوعات التى تحدث فيها الذكور تلخصت فى أن التحرش هو فعل أو تصرف معيارى، وأنه خطأ المرأة، ويأتي نتيجة رغبة المرأة فى العمل، وأنه عقاب إلهى للمرأة، ويتم التحرش بالنساء بسبب القهر المجتمعي.
وأوضح هنرى أن الدراسة كشفت عن أن بعض هؤلاء الذكور المعترفين بارتكابهم فعل التحرش، يلومون النساء على ذلك لأنهن يتركن بيوتهن ويبحثن عن العمل. وطالب بعملية إصلاح شامل للخطاب الذى يشجع العنف ضد النوع .
مدينة غير آمنة
فيما اعتبرت مؤسسة “تومسون رويترز”، القاهرة مدينة غير آمنة للنساء خصوصا عقب ثورة 2011، بعد أن ارتكبت سلسلة من الاعتداءات الجنسية العنيفة في ميدان التحرير، مؤكدة أن الوضع يتدهور منذ ذلك الوقت.
وكشفت المؤسسة- فى بحث أجرته شارك فيه خبراء بشأن إجراءات حماية النساء من العنف الجنسي ومن العادات الثقافية والاجتماعية المضرة، وبشأن حقوقهن في العلاج واستقلالهن المادي- عن أن القاهرة احتلت المرتبة الأخيرة، موضحة أن القائمة شملت 19 مدينة كبيرة (10 ملايين نسمة على الأقل)، وجاءت العاصمة المصرية بعد نيودلهي وكراتشي وكينشاسا.
وبالإضافة إلى الترتيب العام، صنفت الدراسة القاهرة ثالث أخطر المدن الكبرى للنساء من حيث العنف الجنسي أي بالنسبة إلى قدرتهن على العيش دون التعرض لخطر الاغتصاب أو الاعتداء الجنسي أو التحرش.
وأكدت الدراسة أن النساء في القاهرة يتعرضن للتحرش يوميا منذ 2011 وحتى الآن، حيث تردت الأوضاع الاقتصادية في القاهرة وفي كامل البلاد، وأن نسب البطالة العالية تعني فرصا أقل أمام النساء لكسب استقلالهن المادي، إضافة إلى أعداد كبيرة من الرجال المحبطين والعاطلين عن العمل لا سيما الشباب. مشيرة إلى أن هذا الفقر الاقتصادي يعني أيضا أن خدمات الصحة في البلاد قد ساء وضعها.

دور مبارك!
وقالت الباحثتان فى الدراسات الاجتماعية هند أحمد زكي وداليا عبد الحميد: إن ظاهرة العنف الجنسي شهدت ازديادا وتطورا، ليس في كثافتها فحسب بل في أشكالها وحدّتها، بدءا بالتهديد والملاحقة والتحرش الجماعي، وانتهاء بالاغتصاب والاغتصاب الجماعي وحتى القتل كذلك، موضحتان أنه فى الوقت نفسه ارتفعت نسبة ودرجة مقاومة التحرش والعُنف الجنسي بدرجة غير مسبوقة.
وأضافت الباحثتان في دراسة بعنوان “استباحة النساء في المجال العام”، أن ما يحدث هو نتيجة للعلاقة بين جسد المواطن والسُلطة، حيث إن ممارسة العنف عليه وإذلاله أمر أصيل في كافة المؤسسات الانضباطية والسُلطوية فى عهد العسكر، فمن المدرسة مرورا بالشرطة وانتهاء بالمستشفى الحكومي وحتى فى كثير من القطاع الخاص أيضا، يتم معاملة الجسد بقدر كبير من العُنف والاستباحة ورفع القداسة عنه بشكل عام ومُوسع.
وأشارت الدراسة إلى واقعة مشهورة تمت تسميتها “بالأربعاء الأسود”، ففي العام 2005 قامت دولة مبارك بتجنيد بعض البلطجية للاعتداء جنسيا على عدد من الصحفيات والناشطات أثناء وقفة في وسط القاهرة للاحتجاج على التعديلات الدستورية المُزمع إجراؤها، وتمت هذه الاعتداءات وسط الوجود الأمني المُكثف الذي عادة ما يُصاحب المُظاهرات والوقفات الاحتجاجية، وكان مشهد الاعتداء الجنسي على الناشطات وصور ولقطات ملابسهن المُمزقة وكرامتهن المُهدرة في قلب العاصمة صادمة للغاية للوعي الجمعي، وكانت تلك المُمارسة الأمنية المُمَنهجة والمنقولة على الهواء إعلانا ضمنيا من الدولة عن ارتفاع قمع وانتهاك واستباحة أجساد المواطنات لدرجة غير مسبوقة .

وتابعت :بعد ذلك بعام واحد- يوم الثاني والعشرين من أكتوبر 2006 الموافق أول أيام عيد الفطر- بدأت ولأول مرة حوادث التحرش الجنسي الجماعية بمنطقة وسط البلد، ومنذ ذلك التاريخ وصلت لمعدلات ارتفاع غير مسبوق في حوادث العُنف الجنسي في المُدن الكبرى، حين هاجمت مجموعات من الشباب النساء اللاتي أوقعهن حظهن العاثر في طريقهم وقاموا بجذبهنّ من ملابسهنّ والتعدي عليهنّ جنسيا”.
وأكدت أن تلك الإشارات التى أرسلها مُمثلو السُلطة السياسية والأمنية، استمرت لأعوام حتى قيام ثورة يناير وما بعدها، موضحة أن الهجوم الجنسي عليهن بهذه الطريقة هو محاولة لطرد النساء من ميدان المشاركة فى الأحداث السياسية، وإرجاع المجتمع كله إلى حدود ما قبل 2011″.
وخلصت الدراسة إلى أن العُنف المُمَارس على الإناث فى عهد العسكر هو جزء من حركة عنيفة أكبر ترفض الإجابة عن السؤال الذي مثله حضور الفتيات والنساء في الشوارع والمساحات خلال الثورة والمظاهرات والاعتصامات، السؤال الذي تحتاج إجابته إلى رؤية جديدة للحيز العام في مصر، والثقافة السياسية وعلاقات السُلطة التي تحكمه.
