في مثل هذا اليوم، وقبل 9 سنوات، ضجَّ الثوار في ميدان التحرير لوفاة الفريق سعد الدين الشاذلي، أحد أعلام العسكرية العربية، والذي يعتبر الرأس المدبر للهجوم الناجح على خط بارليف، وهو الهجوم المعجزة الذي حطم أسطورة إسرائيل “الجيش الذي لا يقهر”.
وفي أثناء المعركة حدث خلاف بينه وبين السادات قام على إثره بالاستقالة من رئاسة الأركان، عين بعد الحرب سفيرًا لمصر في بريطانيا ثم البرتغال، أعلن عن معارضته الشديدة لمباحثات كامب ديفيد واستقال من منصبه وسافر للجزائر طالبًا حق اللجوء السياسي، ثم عاد إلى مصر في عام 1993 بعد أن صدر ضده حكما عسكريا ولكنه نال عفو شامل، وعاش بعيداعن الأضواء حتى وفاته في 10 فبراير 2011.
وكتب الفريق سعد الدين الشاذلي مذكراته عن حرب أكتوبر، وضمنها أسرارا عديدة اعتبرها البعض إفشاء للأسرار العسكرية، وأشاد بها آخرون مؤكدين أنها شهادة كاشفة للفساد الكبير الذي شهده نظام الرئيس السادات.
رفض الواسطة
يقول الفريق سعد الدين في كتابه “حرب أكتوبر”: “أؤمن بضرورة تكافؤ الفرص، وأؤمن بأن الحصول على وظيفة أو الترقي الى درجة أعلى يجب أن يخضع للكفاءة وقدرات الفرد، دون أن يكون للوساطة أو القرابة اعتبار في ذلك.. وتطبيقا لهذا المبدأ لم يحدث مطلقا أن قمت بدفع أحد أفراد عائلتي الى منصب أو أي ترقية، رفضت كثيرا من الوساطات مما أثار ضدي بعضا من الشخصيات القوية”.
ويتابع الفريق سعد الدين: “كان من بين الحالات التي رفضتها ابن اسماعيل فهمي الذي كان جنديا بالقوات المسلحة، وفي أحد الأيام عرضت على مذكرة من هيئة التنظيم والإدارة تقترح إنهاء خدمة الجندي المذكور؛ حيث إنه مطلوب للعمل في هيئة المخابرات العامة، فرفضت، فقيل لي إنه ابن اسماعيل فهمي، فقلت لهم: حتى ولو كان ابن السادات نفسه، فلن أخالف القانون!
وحاول رئيس هيئة التنظيم إقناعي بأن هذه الحالة في حدود القانون اعتمادا على مادة في قانون التجنيد تعطي وزير الحربية الحق في إعفاء أي فرد أو مجموعة أفراد من الخدمة العسكرية الاجبارية إذا كانوا مطلوبين لعمل من الأعمال المهمة التي تساعد المجهود الحربي.. لم أقتنع بأن عدم إعفاء ابن اسماعيل فهمي قد يؤثر على المجهود الحربي للدولة، فرفضت.. وحدث أن عرضت مذكرة للغرض نفسه على أحمد سماعيل “كان على علم كامل بقصة ابن اسماعيل فهمي” دون أن تعرض علي وصدق على انهاء خدمة ابن اسماعيل فهمي.. وقامت المخابرات العامة بإنهاء خدمته، وتمكن والده أن يجد له وظيفة في نيويورك أكثر راحة وأوفر أموالا”.
وتابع الفريق سعد الدين: “لم يكن تقديم أحمد إسماعيل تلك الخدمة لاسماعيل فهمي بلا مقابل، بل كانت صفقة بينهما، بمقتضاها تم تعيين ابن أحمد إسماعيل ضمن وفد مصر في الأمم المتحدة في نيويورك.. وفي الوقت الذي كان أبناء مصر يعبرون القناة ويهتفون الله أكبر، كان ابن اسماعيل فهمي وغيره من أبناء الطبقة المحظية في مصر يتسكعون في شوارع نيويورك وغيرها”.

مانشيت الأهرام
يقول الفريق سعد الدين: نشرت الأهرام في صباح 11 ديسمبر 73 تحت عنوان ضخم خبرا يقول: “قواتنا في الشرق الغربي تتقدم عشرة كيلو مترات” ونسبته الى قيادة قوة الطوارئ الدولية، وكان الخبر صورة من صور التزوير لواقع الأمر، وهناك شخصان أشتبه فيهما: الأول محمد حسنين هيكل رئيس تحرير الأهرام، والثاني وزير الحربية، وطالبت وزير الاعلام التحقق من مصدر الخبر، وفي صباح 12 ديسمبر 73 ظهرت الأهرام وفيها تصحيح للخبر واعتذار عنه، وبلغ التحدي بيني وبين السلطة السياسية مداه، وتحملوا مني الكثير، وكان لا بد أن يتخلصوا مني.
وأصدر السادات قرارا بتعييني سفيرا في الخارجية المصرية، ولكني رفضت القرار، وقلت لوزير الخارجية: إذا كان الرئيس يعتبر أن تعييني سفيرا بالخارجية خدمة، فمن حقي أن أقبل الخدمة أو أرفضها، وإذا كان المقصود العقاب، فأنا أرفضه وأفضل أن تكون هناك محاكمة حتى تظهر الحقائق.
فرد الوزير قائلا: إن ما تقوله شيء خطير، هل أقوم بابلاغ الرئيس بما قلته؟
الشاذلي: طبعا الهاتف بجوارك ويمكنك أن تبلغه الآن وفورا.
ويضيف سعد الدين: “حاول الوزير إقناعي بطريقة أكثر تهذيبا بقبول المنصب السامي، ولكني أصررت على الرفض، وحاول مبارك إقناعي بالأمر نفسه، ولكني رفضت”.
وفي مذكراته طالب الشاذلي بالغاء منصب القائد العام للقوات المسلحة، مشيرا إلى أنه منصب لا مثيل له إلا في الدول المتخلفة.
خيانة السادات العظمى
وفي مذكرات الشاذلي أيضا، اتهم السادات بالخيانة العظمى قائلا: “لو أن السادات لم يرتكب أي جريمة في حق الوطن سوى تعيينه أحمد إسماعيل قائدا عاما للقوات المسلحة وهو يعلم أنه كان مريضا بالسرطان، لكان ذلك كافيا لإدانته بتهمة الخيانة العظمي في حق الوطن”.
وعن السر في اختيار الجزائر للجوء السياسي، يقول الراحل السفير إبراهيم يسري سفير مصر الأسبق في الجزائر في تصريحات صحفية: “دعيت ذات مرة إلى حفل استقبال لوزير الخارجية الكويتي، وفوجئت بالفريق الشاذلي موجودا، وسلمت عليه وتحدثت معه، وقلت له: تشرف السفارة المصرية في أي وقت، فشكرني مذهولا مما أقول، وسعدت كثيرا بلقائه”.
ويتابع السفير يسري: “جاءني ذات يوم، وقال لي إنه سيعود الى مصر، لانه كبر، ولا يريد أن يموت بعيدا عن وطنه الذي أحبه، ووجدته مصمما على العودة إلى مصر رغم طلب السلطات المصرية إبقاءه في الجزائر”.
واختتم السفير يسري حديثه، مؤكدا أن الفريق الشاذلي رجل عظيم يقدره تقديرا كبيرا، مذكرا بأن ابن أخيه أحمد الشاذلي هو القاضي الذي حكم بمصرية تيران وصنافير، مستدلاً على كل تلك المواقف بوطنية العائلة.

لو كان في عهد السيسي
ولعل حياة الرجل الوطني وما يقدمه من دروس في الوطنية لكل المصريين والعرب، والمقاومين للاستبداد والفساد.. يعتبر نبعا صافيا، وتعتبر سيرته درسا لثلة العسكريين الانقلابيين بقيادة عبد الفتاح السيسي الذين يعتمدون تماما على الواسطة والمحسوبية والعلاقات، فلا تجد أحدا في عائلة السيسي إلا في مناصب عليا.
ولعل من العجائب التي لو عايشها الشاذلي حاليا، لثار على نظام الخيانة الأعظم، الذي ادخل مصر في علاقات حميمية غير مسبوقة مع الصهاينة، وبدلا من ان يتوقف عند حدود كامب ديفيد التي رفضها بالاساس الشاذلي سابقا، إلى تقديم أراضي مصر ضمن صفقة القرن الصهيوأمريكية، وحماية أمن إسرائيل، بل وفتح الأجواء المصرية للطيران الصهيوني لينفذ مئات الطلعات في سيناء.. وبدلا من أن ينمي السيسي سيناء كأمن قومي واستراتيجية عسكرية لمنع تقدم الصهاينة، يخلي السيسي رفح والشيخ زويد حتى جنوب العريش لحماية أمن إسرائيل.
وهكذا ينقلب السيسي على كل ما قدمه الشاذلي وأبطال العسكرية المصرية مشوهًا تاريخ العسكرية المصرية.
