بعدما أكدت خارجية الانقلاب أن وزير الخارجية سامح شكري وجه خطابا إلى رئاسة مجلس الأمن، تم تعميمه على أعضاء المجلس، بشأن تطورات قضية سد النهضة ومراحل المفاوضات، بات التساؤل المطروح: ما الذي تبقى من أوراق الضغط المصرية تجاه سد النهضة بعد الشكوى المصرية؟

شكوى مصر لمجلس الأمن أشارت إلى ما اتخذته مصر من “مواقف مرنة ومُتسقة مع قواعد القانون الدولي، وأهمية الانخراط الإيجابي من جانب إثيوبيا بُغية تسوية هذا الملف بشكل عادل ومتوازن للأطراف المعنية الثلاثة، وبما يضمن استدامة الأمن والاستقرار في المنطقة”.

كما حذَّرت مصر ضمنًا، في الخطاب الرسمي الموجه لرئاسة مجلس الأمن، من “تداعيات ملء السد دون موافقة مصر، على الأمن والسلم في المنطقة، وأهمية الانخراط الإيجابي من جانب إثيوبيا لتسوية الملف بشكل عادل ومتوازن وبما يضمن استدامة الأمن والاستقرار”.

خطاب مصر لمجلس الأمن هو آخر التحركات الدبلوماسية المصرية بحثا عن حل سلمي لأزمة سد النهضة، بعد فشل مفاوضات واشنطن، واستمرار إثيوبيا في استكمال الإنشاءات في السد، ورفعها شعار “المياه مياهنا ونستكمل سدنا ولا شيء يوقفنا”، ونيتها بدء ملء السد في يوليو المقبل دون أن تعبأ بمطالب مصر، ما سيجعل السد أمرا واقعا يضر بأمن مصر المائي.

الواضح من تحركات القاهرة الدبلوماسية المكثفة، أن مصر تستخدم كل الوسائل الدبلوماسية لتمهيد مسرح الأحداث لحل دبلوماسي أو لاستخدام الضغط والقوة، إذا لزم الأمر، بحيث يمكن تفهم ذلك دوليًا، ويقدم كوسيلة للإجبار على العودة لمائدة التفاوض وليس شن حرب.

ومع اقتراب بناء السد وملء خزانه (74 مليار متر مكعب)، وضعت مصر شروطا تتعلق بالملء فترة 7 سنوات، ووقف الملء أوقات الجفاف، وضمان تدفق 40 مليار متر مكعب سنويا، والمحافظة على مستوى المياه أمام سد أسوان العالي بارتفاع 165 مترا فوق مستوى سطح البحر.

ورفضت إثيوبيا الشروط المصرية، وقال وزير الري والمياه الإثيوبي سيلشي بقلي: إن الموافقة على مقترح تقدمت به الحكومة المصرية بشأن قضية سد النهضة ستحول السد إلى مجرد خزان احتياطي للسد العالي.

أوراق الضغط المصرية

في ضوء التعنت الإثيوبي وضيق الوقت، يبدو أن مصر باتت أمامها خيارات محددة ضيقة، ومع هذا يمكن رصد الخيارات المصرية فيما يلي:

  1. كانت مصر تعول بشكل أكبر على التحكيم وهو ما ترفضه إثيوبيا، وجاء التركيز على ورقة المحافل والمحاكم الدولية ومقاضاة إثيوبيا والتشهير بها دوليا، كونها تخلت عن اتفاقات النيل السابق توقيعها في العشرينات والخمسينات، ولكن الرفض الإثيوبي وموافقة مصر على اتفاق سد النهضة الذي لا يعترف بحقوق مصر المائية التاريخية في هذه الاتفاقيات القديمة أغرى إثيوبيا بالرفض، والآن ليس هناك حل سوى إعادة طرح هذه الخيارات حال استئناف المفاوضات مرة أخرى.
  2. أمام مصر فرصة للضغط على إثيوبيا عبر ملفات أخرى تتعلق بالأمن الإثيوبي، وهذا الضغط أو التحرك الاستخباري، ورقة سبق أن لعبت بها مصر بالتعاون مثلا مع إريتريا أو المعارضة الإثيوبية، وهي ورقة مهمة، ولكن إريتريا تصالحت مع حكومة إثيوبيا، ما يضعف خيارات مصر.
  3. هناك ورقة الضغط المتعلقة بدعم المعارضة الإثيوبية من قوميات الأورومو والأمهرة وقبائل بني شنقول في إثيوبيا، والتي يقع السد في نطاقها، ضد حكم الأقلية من قبيلة “التيجري”، لإحداث قلاقل داخلية، وسبق لرئيس وزراء إثيوبيا الراحل، ميليس زيناوي، الزعم عام 2010، أن مصر دعمت الأورومو، وتجدد الأمر في اضطرابات الأورومو التي شهدتها البلاد نهاية عام 2016، ولكن تولي رئيس وزراء جديد من الأورومو أنفسهم (آبي احمد) وتصالح الأورومو مع حكومة إثيوبيا، يضعف هذه الورقة المصرية للضغط.
  4. هناك أخيرا خيار التهديد بالعمل العسكري، وهو خيار لم تهدد به مصر، ولكنه خيار صعب وباهظ، وتتحسب له إثيوبيا برغم عدم حديث مصر عن أي عمل عسكري ضدها، ومع هذا هددت أديس ابابا بالرد عليه بقصف السد العالي.

وخلال جولة في سد النهضة، مارس الماضي، قال رئيس أركان الجيش الإثيوبي الفريق أول آدم محمد: إن “الجيش مستعد للتصدي لأي هجوم عسكري يستهدف سد النهضة، وسيتم الرد عليه بالمثل”، بحسب صحيفة كابيتال الإثيوبية.

كما صرح العميد “يلما موديسا”، قائد القوات الجوية الإثيوبية، بأن “طائرات إثيوبيا مستعدة لإحباط أي هجمات جوية لضرب سد النهضة ومنشآته”، فيما هاجمت صحف إثيوبية موقف القاهرة من سد النهضة، وهدد مقال بصحيفة “كابيتال” الأسبوعية مصر متحدثا عن أنّ “إثيوبيا قد تبدو من الوزن الخفيف عسكريا بالمقارنة مع تفوق القاهرة العسكريّ الظاهر، إلا أن مصر تملك سد أسوان العملاق، وتعيش في بيت من الزّجاج”.

5  بدائل أمام مصر لمواجهة الأزمة

مقابل أوراق الضغط المصرية السابقة، تسعى مصر إلى طرح بدائل عاجلة حال نقص حصة مصر المائية السنوية، وأغلبها حلول مستقبلية، لن تسعف القاهرة حين يبدأ حجز سد النهضة لمياه النيل العام المقبل وهي:

أولا: مياه من قناة جونجلي

  • هو مشروع كانت تسعى وراءه مصر منذ سنوات، بهدف توفير 10-15 مليارات متر مكعب مياه تضيع في الترع والمستنقعات في جنوب السودان.
  • ترفض حكومة جنوب إفريقيا المشروع منذ سنوات؛ لأن حجز هذه المياه عبر قناة جونجلي لتقسيمها بين مصر والسودان سوف يضر بالبيئة التي يتشكل منها الجنوب، ويجفف هذه الترع والمستنقعات التي تقوم عليها الزارعة وتجارة المواشي.
  • دخل المشروع حيز التنفيذ عام 1974، وكان من المقرر الانتهاء من المرحلة الأولى عام 1985، لكنه توقف بسبب الحرب 1983، بين الحركة الشعبية بقيادة “قرنق” وحكومة الخرطوم.

ثانيا: مشروع نهر الكونغو

  • هو مشروع يهدف إلى ربط نهر الكونغو بنهر النيل، تم طرحه لأول مرة في العام 1980، بعدما أمر الرئيس المصري الراحل محمد أنور السادات بعمل جولة ميدانية في الكونغو من أجل وضع تصور للمشروع.
  • جاء اختيار نهر الكونغو باعتبار أنه ثاني أطول نهر في إفريقيا بعد النيل، وأولها من حيث مساحة الحوض، ويلقي هذا النهر سنويا ما يزيد على 1000 مليار متر مكعب من المياه في المحيط الأطلسي، دون استفادة، تريد القاهرة الاستفادة منها.
  • المشروع قد يوفر نحو 55 مليار متر مكعب من المياه السنوية، أي نصيب مصر بالكامل من مياه النيل، وبالتالي سيغطي جزءا كبيرا من احتياجات مصر المائية، التي وصلت في العام 2017 إلى 80 مليار متر مكعب.
  • المشروع يواجه عقبات، أهمها تكلفته الباهظة التي لا تستطيع مصر تحملها في ظروفها الحالية، والحروب الأهلية في البلاد الإفريقية التي سيمر من خلالها النهر، والأبعاد الهندسية والفنية والقوانين الدولية المنظِّمة للأنهار المشتركة.

ثالثا: المياه الجوفية

  • تمثل المياه الجوفية المصدر الثاني للمياه في مصر، حيث تسهم بنحو 6.7 مليار متر مكعب سنويا من إجمالي الموارد المتاحة، ولكن السنوات الماضية شهدت حالة فوضى في استخدام هذه المياه الجوفية.
  • لدى مصر 5 خزانات مياه جوفية، أكبرها “الحجر الرملي النوبي”، الذي يمتد من تشاد والسودان وليبيا، ومياهه بدرجة عزوبة النيل نفسها، والخزانات الأخرى هي: خزان الكاربونيت، وخزان دلتا النيل، وخزان المغرا، وخزان جبال البحر الأحمر.

رابعا: تحلية مياه البحر

  • هذا هو البديل الوحيد الذي شرعت حكومة السيسي في تنفيذه، حين أعلن رئيس الهيئة الهندسية العسكرية نوفمبر 2017، نية مصر إنشاء كبرى محطات تحلية مياه البحر في العالم في مطروح والضبعة، لتحلية 100 ألف متر مكعب يوميا.
  • وزير الري السابق، حسام المغازي، أشار إلى أن مجموع إسهامات تحلية المياه، محدوداً للغاية إذا ما قورن بالاحتياجات المائية لمصر التي تقدر بـ 80 مليارا لن توفر منها مشاريع التحلية سوي مليارا واحدا.
  • عيوب الاعتماد على هذا الخيار هي مزيد من رفع أسعار المياه على المصريين بسبب ارتفاع تكلفة بناء هذه المحطات بعكس مياه النيل المتوفرة طبيعيا.

خامسا: معالجة مياه المجاري

  • في 8 يناير 2018، أعلن عبد الفتاح السيسي أن الدولة تعكف حاليا على إنشاء أكبر محطة لمعالجة مياه الصرف والتحلية، بتكلفة تتعدى 3.4 مليار دولار.
  • جاء هذا بعد طرح خبراء مسألة معالجة مياه الصرف الزراعي، وإعادة استخدامها مرة أخرى، مع تزايد خطر العجز المائي، الذي قد يتفاقم عقب تشغيل سد النهضة.
  • أشار المتحدث باسم وزارة الزراعة، حسام الإمام، في مداخلة تلفزيونية في يناير 2018، إلى أن مصر تستخدم 20 مليار متر مكعب من مياه الصرف الزراعي سنويًا.

Facebook Comments