على مدار ست سنوات منذ اعتلاء قائد الانقلاب مقعده رسميا، شهد ملف حقوق الإنسان والحريات في مصر إخفاقات وتراجعًا مع تصاعد الانتهاكات والجرائم التي تتنافى مع آدمية الإنسان، فضلا عن حقوق المرأة المصرية والطفل التي أهدرها النظام الانقلابي الحالي دون مراعاة للتحذيرات الصادرة من المنظمات الحقوقية المحلية والدولية .

الانتهاكات امتدت لتحرم الإنسان من حقه في الحياة عبر أحكام الإعدامات المسيسة والتي تصدر من محاكمات لا تتوافر فيها أي معايير للتقاضي العادل، فضلا عن استمرار كبت الحريات وغلق المجال العام وتصاعد جرائم الاعتقال التعسفي دون توقف، حيث يقبع ما يزيد على 60 ألف معتقل سياسي فى السجون لموقفهم من التعبير عن رفض الظلم والفقر المتصاعدين، ورفض الانقلاب العسكر الدموي الغاشم وفقًا لتقديرات حقوقية.

كما امتلأت السنوات الست بجرائم الإخفاء القسري التي لم تتوقف، وشملت الآلاف وما زالت مستمرة ضد مئات الأبرياء، فضلا عن جرائم القتل خارج إطار القانون سواء عبر التصفية الجسدية المباشرة أو القتل بالإهمال الطبي المتعمد داخل السجون، والذي طال كافة الفئات والأعمار.

 

إعدام 55 بريئًا و 1512حكمًا جائرًا

وتؤكد المنظمات الحقوقية، عبر تقاريرها الموثقة، إفراط النظام الانقلابي الحالي وسلطته القضائية في إصدار أحكام الإعدام، والتي بلغت 1512 حكمًا خلال السنوات الماضية منذ يوليو 2013، وصدرت من المحاكم الاستثنائية التي شكلها خصيصًا لمحاكمة معارضيه فيما يُشكل نوعًا من أنواع الانتقام السياسي، وذلك من خلال ما تسمى “دوائر الإرهاب، والمحاكم العسكرية”.

ووثق تقرير رهن الإعدام، الصادر عن عدد من المنظمات الحقوقية فى فبراير الماضي 2020، بشكل مشترك تنفيذ حكم الإعدام في 55 شخصًا، لم تتمتع محاكمتهم بمحاكمة عادلة، فيما ينتظر 82 شخصًا آخرون تنفيذ الحكم عليهم في أي وقت.

وعرض التقرير لنماذج من قضايا سياسية صدرت فيها أحكام بالإعدام بالمخالفة لضمانات المحاكمات العادلة، منها قضية مقتل النائب العام، 7122/261 لسنة 2016 جنايات قسـم النزهة وتم فيها إعدام 9 مدنيين، وقضية كرداسة ومقتل اللواء نبيل فرَّاج، 983 لسنة 2014 جنايات شمال الجيزة، وتم فيها إعدام 3 مدنيين، وقضية مقتل ابن المستشار، 17583 لسنة 2014 جنايات قسم أول المنصورة، وتم فيها إعدام 3 مدنيين، وقضية استاد كفر الشيخ، 325 لسنة 2015 جنايات الإسكندرية العسكرية، وتم إعدام 4 مدنيين .

ومن بين القضايا التى صدرت فيها أحكام إعدام نهائية باتة، واجبة النفاذ، قضية فضل المولى، 27868 لسنة 2014 جنايات المنتزه أول بمحافظة الإسكندرية، وقضية مقتل الحارس، 16850 لسنة 2014 مركز المنصورة، ورقم 781 لسنة 2014 جنايات كلى جنوب المنصورة، وقضية مكتبة الإسكندرية، 20091 لسنة 2013 جنايات الإسكندرية، وقضية التخابر مع قطر، 10154 لسنة 2014 جنايات ثاني أكتوبر.

ومن بين القضايا المنظورة أمام محكمة النقض، بعد صور أحكام بالإعدامات فيها، قضية مذبحة فض اعتصام رابعة العدوية، 34150 لسنة 2015 جنايات الإسكندرية، وقضية 108 عسكرية، 108 لسنة 2014 جنايات الإسكندرية العسكرية.

وتؤكد المنظمات الحقوقية أن المحاكمات التي صدرت منها أحكام الإعدامات في القضايا السياسية جاءت من  محاكم استثنائية غير مختصة، وهى أبرز الخروقات التي تتم بالمخالفة للدستور المصري والمواثيق الدولية المُصدق عليها من مصر، والتي تُلزم بأن حق التقاضي مكفول أمام القاضي الطبيعي والمحكمة المُختصة، ونصت تلك القواعد القانونية على عدم جواز إنشاء أية محاكم خاصة، إلا أن عكس ذلك يتم في مصر، في إخلالٍ واضح بالقواعد القانونية والقضائية المُستقر عليها.

دعوة دولية لوقف الجرائم

وفى نهاية عام 2019 وقبيل جلسة استعراض سجل مصر لحقوق الإنسان بمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، قالت منظمة العفو الدولية: إنه يجب أن يطالب المجتمع الدولي بالإفراج الفوري عن المحتجين السلميين والنشطاء والمدافعين عن حقوق الإنسان في مصر؛ وذلك في أعقاب حملة قمع قاسية شهدت اعتقال أكثر من 3800 شخص، أغلبهم بشكل عشوائي، في الأشهر الأخيرة.

كما دعت  المنظمة الدول إلى استخدام جلسة الاستعراض الدوري الشامل لسجل مصر لمطالبة السلطات بفتح تحقيق في الاستخدام المتفشي للتعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة على أيدي قوات الأمن، فضلا عن ظروف الاحتجاز المزرية، وإلى إنهاء استخدامها القمعي لحظر السفر التعسفي والمضايقة القضائية لمعاقبة نشطاء حقوق الإنسان.

وقالت نجية بونعيم، مديرة الحملات لشمال إفريقيا في منظمة العفو الدولية: “من المهم الآن، وأكثر من أي وقت مضى، بالنسبة للعالم أن يدين علنًا تدهور حقوق الإنسان في مصر، ويطالب بالإفراج عن المحتجين السلميين الذين تم اعتقالهم تعسفياً”.

/

تصاعد الانتهاكات ضد المرأة 

ومن أبرز الانتهاكات التي مارسها نظام عبد الفتاح السيسى بشكل ممنهج، هو التنكيل بالمرأة المصرية بأشكال تنوعت ما بين الاعتقال التعسفى والإخفاء القسري والقتل خارج إطار القانون، حتى وصل عدد من تم اعتقالهن وفقا لما وثقته حركة نساء ضد الانقلاب من النساء والفتيات ما يزيد على 2000 حالة اعتقال تعسفي، فضلا عن أكثر من 100 حالة إخفاء قسري ما زال عدد منهن قيد الإخفاء لفترات متفاوتة.

يضاف إلى ذلك توثيق قتل أكثر من 300 سيدة وفتاة بالقتل المباشر أو غير المباشر من قبل نظام عبد الفتاح السيسى، قائد الانقلاب العسكري، واستمرار التفنن في التنكيل والقمع حتى وصل الأمر إلى التدابير الاحترازية التي تلاحق سيدات مصر حتى بعد الإفراج عنهن.

ووفقا لآخر تحديث صادر عن حركة نساء ضد الانقلاب، فى الأسبوع الأول من شهر يونيو الجارى 2020، ما زالت 167 سيدة وفتاة يقبعن داخل سجون الانقلاب ليس من ضمنهن المختفيات قسريا.

 https://womenanticoup.org/%d8%a7%d9%93%d8%ae%d8%b1-%d8%aa%d8%ad%d8%af%d9%8a%d8%ab-%d9%84%d8%a7%d9%94%d8%b3%d9%85%d8%a7%d8%a1-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b9%d8%aa%d9%82%d9%84%d8%a7%d8%aa-%d9%81%d9%8a-%d8%b3%d8%ac%d9%88%d9%86-%d8%a7

مقابر القتل البطيء

ومن أبرز جرائم نظام السيسي تحويل السجون إلى مقابر للقتل البطيء عبر ما يطلق عليه متابعة ملف حقوق الإنسان “استراتيجية القتل الأبيض”، حيث يمنع دخول الدواء والعلاج لأصحاب الأمراض داخل السجون، وعدم توفير أى معايير للرعاية الصحية، لتجتمع عليهم آلام السجن جورا وآلام المرض بعد منع العلاج حتى الموت.

ووثق حقوقيون ما يزيد على 900 وفاة بسبب الإهمال الطبي وسوء المعيشة والتعذيب في السجون منذ الانقلاب العسكري في صيف 2013 وحتى الآن، وفي الشهر الماضي توفي نحو 7 مصريين منهم 4 من محافظة الشرقية، قال أطباء إنهم كانوا يشتكون أعراض كورونا داخل مقار احتجازهم.

وتؤكد منظمة “هيومن رايتس مونيتور” تكدس عشرات الآلاف من المعتقلين السياسيين في سجون الانقلاب، تضمهم زنازين ضيقة وسجون ممتلئة عن آخرها بالجنائيين، وذلك بعد توجيه تهم ملفقة لهم دون أدلة، أنكروها جميعا وأثبتوا بطلانها، وبالرغم من ذلك يقضي هؤلاء المعتقلين فترة عقوبة تمتد لسنين طويلة، ومنهم من لا يزال رهن الحبس الاحتياطي- الذي لا أمد له- بعد تعديل قانون الحبس الاحتياطي من قبل حكومة السيسي ليكون بلا نهاية- ومنهم ومن لم يتم توجيه تهم له أو التحقيق معه أو عرضه على جهات قضائية. وفوق كل هذا لا تزال الاعتقالات التعسفية مستمرة في مصر ولم تتوقف يوما واحدا منذ سبعة أعوام، وحتى هذه اللحظة التي يواجه فيها العالم خطر الموت بجائحة كورونا.

ورصدت المنظمة احتجاز المعتقلين في أماكن غير آدمية وغير مناسبة حتى للحيوانات، فالتكدس في السجون المصرية وأماكن الاحتجاز قد وصل إلى 300% بحسب مصادر رسمية، وقد تكون أعلى من هذه النسبة المذكورة، حيث لم يُسمح لأي من الجهات أو المنظمات الحقوقية المستقلة بزيارة أماكن الاحتجاز والقيام بمراقبة مدى التزام السلطات المصرية بتطبيق المعايير الدولية لأماكن الاحتجاز طبقا للاتفاقية النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء الخاصة بالأمم المتحدة، أو طبقا للدستور المصري ولوائح السجون.

وأوضحت أنه لا يكاد يمر أسبوع واحد في مصر دون أن نرصد حالة وفاة معتقل سياسي بالتعذيب أو بالإهمال الطبي، فقد أصبح القتل البطيء عن طريق الإهمال الطبي سياسة متبعة في السجون المصرية، يُقصد بها التخلص من الخصوم السياسيين لحكم السيسي، والذين يقبع بعضهم في زنازين انفرادية منذ لحظة اعتقالهم عقب الانقلاب العسكري في 2013 وحتى الأن، وكان أبرزهم الرئيس الوحيد المنتخب ديمقراطيا في مصر الشهيد “محمد مرسي” والذي فارق الحياة بقاعة المحكمة وأمام القضاة، نتيجة للإهمال الطبي المتعمد الذي عانى منه طوال ستة أعوام من الحبس الانفرادي، ولم تقدم له الرعاية الطبية اللازمة لإنقاذ حياته، بل ترك وقتا طويلا يصارع الموت في قاعة المحكمة حتى لفظ أنفاسه الأخيرة.

قتل الرئيس مرسي

مرسي "القتل البطيء"

تقديم طعام فاسد وتلاعب بالأدوية.. هل قُتل مرسي بمحبسه عمدًا؟

Posted by ‎الجزيرة – مصر‎ on Thursday, February 27, 2020

وقد أدت ظروف الاحتجاز غير الآدمية في السجون المصرية وأقسام الشرطة وأماكن الحجز الاحتياطي ومقرات الأمن الوطني إلى إصابة العديد من المعتقلين بأمراض خطيرة ومميتة، ومع تعنت إدارات السجون المصرية وإصرارها على حرمان المعتقلين من تلقي الرعاية الطبية اللازمة داخل السجن- وحتى بعد صدور قرارات من النيابة بنقل المعتقلين الى المستشفيات- والذي أدى بدوره إلى وفاة المئات من المعتقلين السياسيين على وجه الخصوص جراء الإهمال الطبي المتعمد.

كما تشتهر السجون المصرية بسمعتها السيئة في التعذيب والمعاملة المهينة وغير الإنسانية، فعلى مدار السنين قتل عدد ضخم من المعتقلين جراء التعذيب الوحشي الذي يمارس ضد المعتقلين دون حساب أو عقاب، بالرغم من المناشدات الدولية المتكررة لمحاسبة مرتكبي هذه الجرائم منعاً لتكرار حدوثها.

إحصاءات صادمة 

ووفقا لمونيتور، يبلغ عدد السجون المصرية حاليا 66 سجنا، وذلك بعد بناء 26 سجنا جديدا خلال عهد السيسي، بالإضافة إلى وجود 320 مقر احتجاز داخل أقسام ومراكز للشرطة.

وخلال الثلاثة أشهر الأولى من عام 2020 (يناير، فبراير ومارس) رصدت منظمة “هيومن رايتس مونيتور” إزهاق أرواح 29 من المعتقلين في السجون المصرية المختلفة وأقسام ومراكز الشرطة، ومراكز تدريب الداخلية، من بينهم 3 حالات قتل نتيجة للتعذيب و17 نتيجة للإهمال الطبي المتعمد و9 حالات قتل بالإعدام، وأيضا 71 حالة قتل برصاص الجيش والداخلية من بينهم 61 حالة قتل في شمال سيناء، ليصبح عدد من تم قتلهم خارج إطار القانون خلال تلك الفترة هو 100 شخص.

الصحافة أصبحت جريمة

وكعادة الأنظمة الشمولية لا تقبل بحرية التعبير وتقمع الصحفيين، والتي تعد أحد أبرز جرائم نظام السيسى القمعي، والذي لا يتوقف عن جرائمه بحق الصحفيين والإعلاميين، والذين يقبع منهم وفقا لآخر تحديث صادر عن  المرصد العربي لحرية الإعلام عن شهر مايو المنقضى منذ أيام 81 صحفيًا وإعلاميًا في ظروف احتجاز مأساوية داخل سجون الانقلاب في مصر، وسط مخاوف على سلامتهم  في ظل استمرار تفشي فيروس كورونا بمختلف محافظات مصر.

وأكد عدد من المنظمات الحقوقية فى خطاب لمديرة منظمة اليونسكو، في ذكرى اليوم العالمي لحرية الصحافة، سوء وضع الصحفيين المعتقلين في مصر، نتيجة وبسبب نشاطهم الصحفي والإعلامي.

وأوضحت أن الصحافة والصحفيين في مصر تعانى من عدة قيود، أهمها أن المُمارسة الصحفية والإعلامية تتم بلا حرية وبلا تعددية وأن عدد غير قليل من الصحفيين في مصر ما بين قتيل وسجين، وذلك منذ سبع سنواتٍ مضت وإلى الآن.

وطالبت المؤسسات الحقوقية منظمة اليونسكو بالتدخل العاجل لحث الحكومة نظام السيسى  على الإفراج عن الصحفيين والإعلاميين، أو إصدار قرارٍ بالعفو عنهم، حمايةً لهم من تفشي فيروس كورونا ووقف ظلم الاضطهاد والتنكيل السياسي.

Facebook Comments