أكدت ورقة بحثية جديدة أن الرعاية الصحية في مصر تحولت إلى سلعة وفق قاعدة "الأرباح قبل الأرواح"، واتهمت شركات إماراتية وسعودية بالتسبب في أزمة المبالغة في أسعار الخدمة الصحية بالمستشفيات الخاصة والاستثمارية، والتي وصلت إلى 90 ألف جنيه لليوم الواحد بالرعاية المركزة في بعض هذه المستشفيات.

وبحسب الدراسة، التي نشرها موقع الشارع السياسي بعنوان «تسليع الخدمة الصحية في مصر.. أبعاد الجريمة ومراميها"، فإن أسعار الخدمة والرعاية الصحية في المستشفيات الخاصة بمصر تشهد  قفزات خيالية بالغة الشذوذ والغرابة، مع تزايد معدلات الإصابة بفيروس كورونا بشكل يفوق احتمال المستشفيات الحكومية، وبالغت هذه المستشفيات في أسعار الخدمات والرعاية الصحية، وارتفعت أسعار الخدمات الصحية بها عشرة أضعاف عما كانت عليه قبل تفشي العدوى؛ ويبلغ الـ “deposit” المبلغ المقدم تحت الحساب قبل البدء في رعاية الحالة 30 أو 50 ألفاً” في مستشفيات شبه مغمورة، وقد تصل التكلفة إلى مئات الآلاف لمن يحتاجون جهاز تنفس صناعي لمدة من 4 إلى 5 ليال فقط في العناية المركزة بأحد المستشفيات الاستثمارية الكبيرة، وبلغ سعر الرعاية الصحية في بعض المستشفيات الاستثمارية الخاصة نحو 90 ألف جنيه في اليوم الواحد بحسب أحد نواب البرلمان، بل يؤكد أحد الأطباء العاملين بإحدى المستشفيات الاستثمارية أن بعض فواتير الرعاية الصحية لبعض المصابين بكورونا بلغت نصف مليون جنيه!

وبحسب الورقة البحثية، فإن حكومة الانقلاب اعترفت بهذه الأزمة، على لسان متحدثها الرسمي الذي أكد في مداخلة هاتفية مع أحد برامج فضائيات السلطة، في 31 مايو الماضي، أن رئيس مجلس الوزراء تلقى صورًا لفواتير تكلفة علاج كورونا في المستشفيات الخاصة، وأقر أن أسعار الرعاية الصحية بهذه المستشفيات الخاصة مبالغ فيها بشدة، وأنها ضرب من الجنون؛ ولذلك كلف رئيس الحكومة الوزراء المعنيين بوضع سقف لتكاليف المستشفيات الخاصة الراغبة في تقديم خدمات علاج «كوفيد- 19».

حماية حيتان البيزنس

وحول انسحاب هذه المستشفيات، ممثلة في غرفة تقديم الخدمات الصحية بغرفة الصناعة بالقطاع الخاص، ورفضها التسعيرة الحكومية التي تلزم المستشفيات بتقديم الخدمة كاملة ما بين 7 إلى 10 آلاف لليوم الواحد في الرعاية المركزة بجهاز تنفس صناعي وما بين 1.5 إلى 3 آلاف لليوم الواحد في غرفة عزل برعاية صحية كاملة، تؤكد الورقة البحثية أن الحكومة فشلت ــ حتى اليوم ــ أمام حيتان البيزنس ورجال الأعمال والشركات العابرة للقارات التي تحتكر القطاع الطبي الخاص في مصر على عدة مستويات: مستوى توفير أسرة لرعاية المصابين بالعدوى في المستشفيات الحكومية، كما فشلت- حتى اليوم- في إلزام المستشفيات الاستثمارية والخاصة في توفير رعاية صحية بأسعار مناسبة، تتناسب مع دخول معظم المصريين.

وهو ما يناقض ما نصت عليه المادة (18) من دستور 2014م، التي تنص على أن «تجريم الامتناع عن تقديم العلاج بأشكاله المختلفة لكل إنسان فى حالات الطوارئ أو الخطر على الحياة»، كما فشلت في الشرعية الأخلاقية وقدم النظام نفسه بمؤسسته العسكرية نفسيهما في صورة انتهازية متوحشة بهدف المتاجرة في آلام الناس ومعاناة المصابين.

وتؤكد أن السبب الرئيس وراء الأزمة هو احتكار الإمارات والسعودية للقطاع الطبي الخاص في مصر، وهدف الإمارات ليس الاستثمار، خاصة وأن مجموعة كليوباترا التي تمتلكها، حققت خسائر 24%، خلال 2019، رغم استحواذها بالفعل على المستشفيات الاستثمارية العريقة، وسعيها لشراء السلام الدولي ودار الفؤاد من شركة آلاميدا، يؤكد أن الموضوع ليس مرتبطا بحسابات المكسب والخسارة، وإنما من أجل احتكار القطاع الطبي، لأهداف لن تصب في صالح الأمن القومي المصري.

وترى الورقة البحثية أن إصرار تلك المستشفيات على تسليع الخدمة الصحية والتمسك بالأسعار الخرافية التى تطبقها منذ أن بدأت تقديم خدمة العلاج لمصابى كورونا، لا يعدّ استغلالا للأزمة الراهنة وانتهاكا لرسالة الطب السامية، أو تكسبا من دماء المرضى فحسب، بل تحديا صارخا للقوانين واللوائح المنظمة؛  فالقانون رقم 51 المنظم لعمل المنشآت الطبية الصادر سنة 1981، فرض على تلك المستشفيات التقيد بالحد الأقصى لأسعار الخدمات الطبية الذى تضعه لجنة مختصة تضم ممثلين من وزراة الصحة ونقابة الأطباء، فضلا عن المحافظ المختص، وفى حال مخالفة لائحة الأسعار التي تحددها تلك اللجنة، توضع المستشفى تحت إشراف وزارة الصحة مباشرة.

سيناريوهات متوقعة

ووفقًا للورقة البحثية، فإن السيناريو الأوفر حظًا أن تخضع حكومة السيسي لرغبات حيتان رجال الأعمال وكبار ملاك المستشفيات الاستثمارية الكبرى في مصر لاعتبارات تتعلق بتبعية هذه المستشفيات لشركات إماراتية وسعودية لديها رصد واسع ونفوذ كبير على صناعة القرار في مصر، باعتبارها أكبر رعاة انقلاب 3 يوليو 2013م.

والأكثر احتمالا ــ بحسب الورقة البحثية ــ أن النظام للخروج من هذه الورطة ربما يتجه نحو فرض التسعيرة الحكومية على المستشفيات الخاصة من الفئة الثالثة، والتي يملكها غالبا مصريون، بينما ستبقى المستشفيات من الفئتين الأولى والثانية والتي تتبع شركات عابرة للقارات، في منأى من التسعيرة الحكومية استرضاء لهذه الشركات وانحيازا للاستثمار الأجنبي (الخليجي) على حساب المصريين. يعزز ذلك 3 أدلة:

الأول: أن الاجتماع الذي عقدته وزيرة الصحة هالة زايد مع ممثلي غرفة تقديم الخدمات الصحية مساء الاثنين 8 يونيو انتهى إلى الإشارة إلى أن أسعار الخدمة الصحية في المستشفيات الخاصة والاستثمارية مبالغ فيها، دون الإشارة إلى أي اتفاق بشأن التسعيرة الحكومية التي رفضها القطاع الخاص؛ ما يمثل في مضمونه تراجعا لطيفا لحساب حيتان البيزنس.

الثاني: أن محمد عوض تاج الدين مستشار السيسي للشئون الصحية عضو بمجلس إدارة شركة “استثمار” المالكة لعدد من المستشفيات الخاصة الرافضة للتسعيرة الحكومية، والذي تولى منصبه في بداية مايو الماضي. ووفقًا لموقعها الإلكتروني، فإن شركة “استثمار” تتبع لشركة “أبراج كابيتال” الإماراتية.

ويضم مجلس إدارة مستشفى “كليوباترا” التابعة لأبرج كابيتال عددا من المسئولين السابقين بنظام العسكر منهم وزير التجارة السابق طارق قابيل، ونائبة وزير المالية السابق منال حسين عبد الرازق، ونائب رئيس جهاز المخابرات السابق عمر عاطف قناوي.  ما يعني أن شركات الإمارات لها نفوذ واسع للغاية داخل النظام يحول دون أي محاسبة أو مساءلة جادة.

الثالث: أن نظام السيسي حتى اليوم لا يزال مترددا في تطبيق بنود التعديلات الأخيرة التي أجريت على قانون الطوارئ، في أبريل الماضي، والتي تمنح رئيس الانقلاب سلطة إخضاع بعض أو جميع المستشفيات والمعامل والمراكز الصحية في حالات الطوارئ وانتشار الأوبئة، ولعل السبب في ذلك هو الخوف من العقاب السعودي الإماراتي، خصوصا وأن نظام السيسي يمر بمرحلة شديدة الخطورة على المستوى الاقتصادي والصحي، ربما تمتد بالتأثير على المستوى السياسي بما يهدد بقاء النظام واستمراره.

Facebook Comments