تفجرت أزمة جديدة داخل أروقة حكومة الانقلاب في مصر، ويجري الحديث حولها في دهاليز وغرف الحكومة المغلقة في ظل التعتيم المفروض على وسائل الإعلام بعدم تناول أي قضايا حساسة من شأنها الإساءة للنظام وكشف سوءاته وفضائحه أمام الناس.
وكان آخر هذه القضايا هي بوابات التعقيم الإلكترونية التي تنتجها وزارة الإنتاج الحربي التابعة للجيش، التي تأكد أنها "فنكوش" وليست سوى صورة من صور البيزنس والنصب المقنع، بعدما ثبت أنها غير مطابقة للمواصفات في الوقت الذي أهدر فيه عدد من الوزراء ملايين الجنيهات على شراء هذه البوابات مجاملة للجيش دون حتى التأكد من جدواها الصحية والعلمية في مقاومة الفيروسات وعلى رأسها فيروس "كورونا المستجد" والقضاء عليها.
وكان الدكتور إيهاب عطية مدير إدارة مكافحة العدوى بوزارة الصحة والسكان المصرية بحكومة الانقلاب أعلن يوم الإثنين الماضي 13 يوليو أن بوابات التعقيم لا جدوى منها وقد تسبب مشاكل صحية خطيرة بسبب المواد الكيميائية المستخدمة بعيدًا عن رقابة الوزارة. وتداول العاملون في قطاع الصحة خطابًا صادرًا عن قطاع الطب الوقائي بوزارة الصحة في الثاني من شهر يوليو 2020 يرد على استفسار من مجلس الوزراء بخصوص استخدام كبائن التعقيم الذاتي، وذلك بعد تركيبها في أغلب مؤسسات الدولة والقطاع الحكومي للوقاية من كورونا. وقال الدكتور علاء عيد، رئيس قطاع الطب الوقائي، في خطابه، إنه لا يوجد دليل علمي يثبت فاعلية استخدام المطهرات ببوابات التعقيم لمجابهة الفيروس المسبب لمرض كورونا أو تقليل انتشار العدوى بين المواطنين.
ويؤكد الطبيب محمد أمين أخصائى مكافحة عدوى أن كابينات التعقيم ما هي إلا أمان زائف للمواطنين، فعدوى فيروس كورونا هي عدوى تنفسية لا يمكن التعامل معها عن طريق رش الملابس، ولا توجد أدلة علمية تثبت فاعليتها فى الوقاية من فيروس كورونا. وأنه بمجرد مرور المستخدم من البوابة يتملكه شعور بالراحة ويعتبر نفسه محميًا من خطر الإصابة بالفيروس وربما يكتفي بهذا ويتخلى عن احتياطات الأمان. وتساءل د. أمين في استغراب: أريد من صُناع هذه البوابات أن يخبرونا من هي الجهة العلمية التي اعتمدوا وصرحت لهم بتصنيعها باعتبارها حقًا تقاوم العدوى؟!
وبحسب تقرير نشره موقع "عربي بوست" فإن مجلس الوزراء بحكومة الانقلاب يبحث عن مخرج من هذه الورطة والحرج الذي تسبب فيه بيان وزارة الصحة بحكومة الانقلاب الذي صدر قبل أيام ليؤكد أن بوابات التعقيم الإلكترونية التي تحتكر تصنيعها وزارة الإنتاج الحربي غير مفيدة. وأسهم في زيادة الورطة وفاة اللواء محمد العصار الذي كان وزيرا للإنتاج الحربي دون تسمية وزير آخر خلفا له حتى اليوم.

فساد للركب
ما جرى في كواليس صفقة بوابات التعقيم الإلكترونية كشف شيئاً من شبهات الفساد وتورط مؤسسات الدولة في تسهيل صفقات لا فائدة منها، فقط لمجاملة بعض المؤسسات العسكرية تارةً بالصمت عن إنتاجها لأغراض غير مطابقة للمواصفات وبدون ترخيص من الجهات المختصة، وتارةً بإهدار عشرات ومئات الملايين من ميزانية الدولة دون أن تُصرف في مسارات التنمية والتطوير المأمول.
بيزنس الجيش أفسد الحكومة الوزراء الذين راحوا يتزلفون للجيش على حساب أموال الشعب ، وعقدوا صفقات بمئات الملايين من الجنيهات على شراء هذه البوابات دون حتى التأكد من جدواها الصحية وقدرتها على التعقيم والقضاء نهائيا على جميع الفيروسات وأخصها فيروس كورونا المستجد.
وكان وزير التعليم بحكومة الانقلاب طارق شوقي من أكثر الوزراء إسرافا وسفها على شراء هذه البوابات ونشرها بالمدارس في جميع محافظات مصر في صفقات قدرت بمئات الملايين، واشترى الوزير بوابات لأكثر من 45 ألف مدرسة استضافت لجان امتحانات الثانوية العامة، ويصل سعر البوابة الواحدة نحو 30 ألف جنيه بحسب تصريحات الوزير.
بل إن الوزارة طلبت إنتاج بوابات بمواصفات خاصة -مزدوجة بإطارين- فبلغت تكلفة البوابة الواحدة 50 ألف جنيه، باعتبارها طلبية خاصة. وبناء على هذا التعاقد قامت وزارة الإنتاج الحربي بتوريد 1298 بوابة تعقيم ذاتية مزدوجة لوزارة التربية والتعليم لتوزيعها على لجان امتحانات الثانوية العامة في مصر بتكلفة وصلت إلى 65 مليون جنيه لهذه الصفقة فقط. وكان الوزارة قد خصصت نحو 600 مليون جنيه لتأمين متطلبات الوقاية من فيروس كورونا في لجان امتحانات الثانوية العامة. وكان الوزير قد دافع عن هذه البوابات في 20 يوليو الماضي مدعيا أنه لا خطورة من بوابات التعقيم على الطلاب، بسبب نسبة الكلور مؤكداً أنه لا يوجد أي ضرر علي الطلاب أو على ملابسهم من المرور ببوابات التعقيم، وعدا ذلك كله شائعات وتضليل.

أبعاد الأزمة
الأزمة وما أثير حولها دفعت علاء والي نائب برلمان العسكر إلى توجيه سؤال برلماني عاجل حول مصير بوابات التعقيم الإلكترونية التي كلفت الحكومة ملايين الجنيهات، لحماية المواطنين والحفاظ عليهم من فيروس كورونا، في ضوء ما تم تداوله عن خطورتها وأضرارها. وسبقه النائب خالد مشهور عضو اللجنة التشريعية الذي تقدم في ٢٠ مايو 2020، بطلب إحاطة لوقف بيع البوابات المطهرة باعتبارها "سبوبة للارتزاق" ــ وهو تعبير مصري يصف كل مصدر رزق يأتي دون تعب ــ لاستغلال أزمة كورونا وحرص الناس على التعقيم المستمر. وكان مشهور قد أشار في طلبه إلى موقف الجهات الصحية التي بينت أن أضرار البوابات أكثر من نفعها، وأن تصنيعها لم يقتصر على الشركات المتخصصة بل أصبحت متوفرة لدى الحدادين بدون أية مواصفات فنية متبعة في التصنيع. بالرغم من ذلك لم تتحرك وزارة الصحة رسمياً إلا بعد أكثر من ثلاثة أشهر من انتشار وتصنيع هذا النوع من البوابات، ما وضعها في شبهة تواطؤ مع الجهات المصنعة أو مجاملة الوزارات العسكرية.
من جهة ثانية، كان العديد من الأطباء والمسئولين في مجال الصناعات الطبية قد أعلنوا مراراً عن عدم جدوى البوابات بل وخطورتها على الصحة العامة، فالدكتور شريف عزت، رئيس شعبة المستلزمات الطبية باتحاد الصناعات المصرية، وصف بوابات التعقيم الإلكترونية بأنها نوع من "النصب المقنع" ولا قيمة لها، مضيفًا أن فكرة إنتاج بوابات إلكترونية للتعقيم كانت مقبولة في بداية ظهور فيروس كورونا نظرًا لعدم معرفة طبيعته وكيفية تجنب الإصابة به، لكن الغريب هو استمرار مصر في إنتاج تلك البوابات رغم ثبوت عدم جدواها صحياً. كما أجمع عدد من أطباء الأمراض الصدرية والجلدية على أن هناك خطورة بالغة على المواطنين حال التعرض بشكل مباشر لرش سوائل التعقيم وملامستها للأنف أو الجلد. حيث إنها قد تؤدي إلى الإصابة بحساسية الصدر إلى جانب تطور الأمور إلى مرض الأكزيما حال تكرار إصابة الجلد بالحساسية، نتيجة التعرض المستمر للمواد الكيميائية التي تضاف إلى سوائل التعقيم.
ومن زاوية ثالثة، لا يزال موقف حكومة الانقلاب الغامض خلال الشهور الماضية لغزا يحتاج إلى تفسير، حيث تجاهلت التحذيرات التي صدرت بشأن مخاطر هذه البوابات، كما لم يصدر عن وزارة الصحة أي بيانات حولها إلا بعد عدة شهور. فلماذا التزمت الصمت لفترة طويلة وهي ترى آلاف البوابات يتم تصنيعها وبيعها بالملايين! ولماذا لم تفصح وزارة الصحة عن أضرارها قبل الشروع في تركيبها بالمدارس والنقابات والمؤسسات وغيرها؟ تفسير ذلك أن وفاة العصار عجلت بتفجير الأزمة؛ فالجنرال الراحل كان يغطي على الكارثة بنفوذه وعدم قدرة أحد على مواجهته، فلما رحل زالت العقبات أمام الحقيقة وخرجت التحذيرات للعلن بعد شهور من الكتمان خوفا من إغضاب رجل الجيش القوي.