بالتزامن مع توجهات الرئيس الأسبق محمد أنور السادات نحو تطبيع العلاقات مع الكيان الصهيوني تحت مسمى اتفاقية السلام أصدر بالتوازي قرارا يمثل منتهى الإغراء والغواية للمؤسسة العسكرية المصرية من أجل أن تغض الطرف عن هذه التوجهات وتقبل باتفاقية سلام مع العدو اللدود لمصر الذي تم غزره في فلسطين مهددا الأمن القومي المصري والعربي على الدوام.
وقبل أن يتجه السادات نحو زيارة الكنيست سنة 1977، ثم كامب ديفيد 1978م، ثم توقيع الاتفاقية في مارس 1979م، منح المؤسسة العسكرية حق امتياز إدارة جميع الأراضي غير الزراعية وغير المستثمرة؛ وبذلك تحولت المؤسسة العسكرية إلى أكبر مستثمر في الأراضي بمصر، وبالتالي تحولت الجيش إلى أكبر قيّم على الأراضي الحكومية في البلاد، معطياً سيطرة لا محدودة على الأرض لجهاز إدارة المساحة العسكرية، إحدى إدارات الهيئة الهندسية بالقوات المسلحة المصرية.
وعلى مدار العقود الماضية، ازداد نفوذ المؤسسة العسكرية وبسطت سيطرتها على كافة مفاصلة الدولة السياسية والاقتصادية والإعلامية في أعقاب انقلاب 3 يوليو 2013م، وباتت القوات المسلحة تستحوذ على ما بين 80 – 90% من أراضي مصر بحسب تقديرات موقع "ميدل إيست آي" في تقرير له صدر عام 2016..
مستثمر "ميري"
المحطة التالية التي مثلت فرقا وبها تحول الجيش من قيم على الإراضي إلى سمسار ومستثمر، هو القرار الذي أصدره قائد الانقلاب عبدالفتاح السيسي سنة 2014م وكان يهدف بالطبع تهدئة المؤسسة العسكرية ومكافأتها على الانقلاب على المسار الديمقراطي الذي بدأ في أعقاب ثورة 25 يناير 2011م؛ حيث صدر قانون يعني بتنظيم الأراضي التي يرفع الجيش يده عنها. وفي هذا القانون استُحدث بند يتيح للمؤسسات الفرعية التابعة للقوات المسلحة تكوين شركات إما منفردة أو بالشراكة مع القطاع العام أو الخاص، وهو ما يعنى تسهيل تحويل الأراضي العسكرية للأغراض المدنية والصناعية والاستثمارية ومشاركة الجيش بقيمة هذه الأراضي فقط، بعدما كان المعمول به في عصر الرئيس الأسبق مبارك تخصيص 5% من مساحة الأراضي المبنية للجيش.
إمبراطورية اقتصادية
المحطة الثالثة، جاءت استكمالا لذات المسار بتحويل الجيش من مؤسسة عسكرية احترافية إلى أكبر سمسار ومستثمر في البلاد؛ حيث أصدر السيسي قراراً رقم 57 لسنة 2016، خصص أراضي العاصمة الإدارية الجديدة وتجمّع زايد العمراني المزمع إنشاؤهما على ما يناهز 16 ألف فدان، لـ"جهاز مشروعات أراضي القوات المسلحة"، كي يضطلع بتنفيذ المشروع. كما نص القرار على إنشاء شركة مساهمة تتولى إدارة اﻷراضي، وتضم مساهمات من جهازي مشروعات أراضي القوات المسلحة، ومشروعات الخدمة الوطنية. كما أصدر قراراً رقم 108 لسنة 2018 بالموافقة على إعادة تخصيص قطع من أراضي الدولة في "العلمين" لاستخدامها في إنشاء "مدينة العلمين" السياحية الجديدة.
وكان أبرز ما جاء في متن القرار المنشور بالجريدة الرسمية هو القيام بعمليات إعادة تخصيص ونقل ملكية بين أكثر من جهة، من وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي والقوات المسلحة، إلى "هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة". وبهذه الإجراءات بات الجيش يقف كشريك رئيس لأي استثمار عقاري أو خدمي على الأرض، ولهذا لم يكن غريباً أن يناشد السيسي، الفريق محمد زكي وزير الدفاع علناً، أن يمنح الحكومة قطعة أرض لتنفيذ مشروعات سكنية لسكان العشوائيات والمتضررين من الزلازل.
خلاصة الأمر، أن قرار السادت استهدف إغواء المؤسسة العسكرية اقتصاديا وماليا كي تتبنى مسار التطبيع مع الكيان الصهيوني وتقوم هي بقهر الشعب وإجباره على هذا المسار بالتوازي مع إغراء أمريكي آخر بمساعدات عسكرية سنوية للجيش تصل إلى 1.3 مليار دولار. بينما استهدف قرارات السيسي توريط المؤسسة العسكرية سياسيا واقتصاديا من أجل أن تتبنى هي نظامه وتقوم على أمنه وحراسته وضمان بقائه ضد عواصف الرفض الشعبي مع تحولات كبرى على العقيدة القتالية للمؤسسة العسكرية من اعتبار (إسرائيل) هي العدو الاستراتيجي إلى تبني عقيدة جديدة تقوم على اعتبار ما يسمى بالإرهاب عدوا جديدا يمكن وسم جميع أشكال المعارضة للنظام الإسلامية والعلمانية به للقضاء على أي شكل من أشكال الديمقراطية وحرية التعبير عن الرأي وهو مايصب أيضا في صالح الكيان الصهيوني لأنه يبقي مصر دولة استبدادية منقسمة وممزقة سياسيا واجتماعيا وهي أكبر خدمة يمكن تقديمها للكيان الصهيوني ولعل هذا يفسر أسباب الترحيب الواسع داخل الكيان الصهيوني بانقلاب السيسي والتشديد على ضرورة حماية نظامه من السقوط والزوال.