التقيته بعد طول غياب، لم أره منذ منتصف عام 2013، كان دائم التردد علىَّ لعلاقة عمل تجمعنا امتدت لصداقة ومناقشات سياسية، لكنه قطع اتصالاته وزياراته لى بعد الانقلاب، ظنًّا منه أن صداقتنا تلك قد تورطه فى مخاطر ما، وفى المرة الوحيدة التى هاتفته فيها بعد 3/7 كانت نغمة تليفونه "تسلم الأيادى"، بعدها امتنع عن الرد علىَّ، ولم أشأ من ناحيتى أن أتصل به ثانية. هو رجل أعمال، لطيف ودود، لكنه طموح ولا يجد حرجًا فى الخوض مع الخائضين إذا حقق ذلك مصالحه.

جاءنى منهك القوى، معتلَّ الصحة، معتذرًا عما بدر منه من مقاطعة ومن تأييد "العصابة" -على حد قوله. وقد حكى لى ما وقع له على أيدى من أيدهم بالأمس من ظلم حتى أصيب بالضغط والسكر وبعدد من الجلطات؛ فقد اشترى أرضًا مستصلحة عام 2014 بمبلغ يزيد على المليونى جنيه، هى كل ما يملك، وبدأ فى زراعتها وجنى ثمارها، ولم يمر عامان حتى أُخبر بأن جرافات تزيل هذه الزراعات وتهدم ما أقيم عليها من مبانٍ. سارع إلى هناك، أخرج لهم العقود الرسمية، حاول إقناعهم بوقف الهدم وإهلاك الزرع حتى يصدر أمر من المحكمة، لكن كل هذا كان صرخة فى واد، قالوا إنها أوامر عسكرية، ولا نعرف المحكمة، وتلك الأراضى تابعة لنا وليست تابعة للحكومة. لم يملك نفسه من هول الصدمة فأغشى عليه ليجد نفسه فى المستشفى مصابًا بجلطة.

واسيته، ودعوت الله أن يشفيه ويرد إليه عافيته. ثم لم تخل الجلسة من مناكفات سياسية، لكنى وجدته هذه المرة ناقمًا على الانقلابيين بصورة حادة، معترفًا بخطئه فى تأييدهم، فلم يَفُتْنِى نصحه وتذكيره فقلت له: مثلك يا فلان مثل الذين هتفوا لهم ولا يجدون الآن ثمن الفواتير التى تقصم ظهورهم، ومثلك مثل المرأة التى وهبت نفسها للدفاع عنهم بالليل والنهار، ثم فرضوا عليها مبلغ (450) ألف جنيه فى قانون التصالح الجديد، فخرجت شاتمة ناقدة، وبعدما كانت تفاخر ببناء الطرق والكبارى قالت لكبيرهم (يعنى يا ابن….. كنت بتبنى الكبارى عشان ننام تحتها لما تهدم بيوتنا؟).

ثم استطردت: ومثلك يا فلان ومثل المرأة ومثل الذين هتفوا ممن خفضوا لهم رغيف الخبز، قوتهم الذى لا يستغنون عنه، كمثل جحا مع أهل قريته المغفلين؛ فقد استعار جحا قِدرًا من جارٍ له، ولما قضى به حاجته رده إليه ومعه قِدر آخر صغير، فقال له الجار: ما هذا القدر؟ قال له: قِدرُك ولدتْ، ففرح الجار. وشاع الخبر فى القرية، فطلب جحا يومًا قدرًا، فتدافع الجميع يقرضونه قدورهم، فأخذها منهم وشكر صنيعهم. وبعد عدة أيام استيقظوا على نواح جحا، قالوا له: ماذا بك؟ قال: ماتت قدوركم. قالوا له: أتموت القدور؟ قال: بلى، كما تلد.

فالكل يبكى الآن على قِدره، لكنه لا يستطيع البوح بخطئه، إنهم يسبُّون النظام كما سبَّ مغفلو القرية جحا بعد أن غرر بهم، لكن لا أحد يريد الاعتراف بطمعه وحمقه وأنانيته. أهل القرية كانوا يعلمون أن القدور لا تلد، لكن عماهم الطمع عن الوقوف على الحقيقة، فتدافعوا إلى جحا غير مكرهين ليستثمر لهم فى قدورهم، وجحا "نصاب" متمرِّس، استطاع أن يستحوذ على القدور جميعًا فى مقابل قدر صغير أنفقه بالأمس. كذلك العسكر ومغفلو اليوم، الذين غرتهم وعود السمن والعسل، ولم يعقلوا أن "الحدأة" لا تلقى بالكتاكيت، وأن الغراب لا يلد يمامة.

نحن إذًا أمام طرفين؛ طرف يخطط ويرتب لجريمته مستغلًا ثغرة فى أخلاق الآخر، مستخدمًا كل وسائل الإيحاء والعاطفة، وطرف آخر لديه استعداد لإلغاء عقله لما يحقق مصلحته الخاصة المتواضعة فلم ينظر لما هو أبعد وأفيد، لم يفكر بمنطق، بل اندفع بخياله إلى عالم الغنى والثراء من أقصر الطرق.

ونحن أيضًا أمام قضية الوعى، وهى غير مرتبطة بتعليم أو مكانة اجتماعية قدر ارتباطها بالفطرة وبالعقل والضمير، ومدى فهم الشخص وتمييزه وحسن تقديره وموازنته للأمور. فهناك إعلام ساحر ورسائل تلح على الجماهير صباح مساء، استطاع هذا الإعلام أن يدحرج ما تبقى من عقل ضحاياه التى انقادت إليه إما بطمعها وشراهتها أو بغبائها وحمقها، ومع العلم بأن رسائل هذا النظام لا تخلو من كذب وتدليس وعدم منطقية لا تخفى على متوسط الذكاء.. لكن كم مخلصًا ذا ضمير يستطيع (فلترة) هذه الرسائل وتمييز الحق من الباطل؟

Facebook Comments