منعت الرقابة الفنية أغنيتي "يا بلح زغلول" و مقاطع من أغنية "أهو ده اللي صار" من مسرحية "سيد درويش" على مسرح البالون بالقاهرة، وذلك في قرار مبهم تجاه أغنيتين مرتبطتين بمقاومة الاحتلال الإنجليزي لمصر إبان نهايات القرن قبل الماضي. ما يشير بشكل واضح إلىضعف دولة العسكر التي تعاني فوبيا الرعب والخوف من أغنية أو فيلم.
القرار جاء ليدمر أية قيمة فنية، في حال شكت السلطة أن بعض المعاني أو الكلمات تلامس سمعتها أو تؤمئ إليها. وبحسب مراقبين ومثقفين، جاء المنع بسبب شهرة قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي على نطاق واسع في أوساط المصريين باسم "بلحة"، إلى حد إنتاج معارضين أغاني ساخرة باسم شهرته. ويطلق اسم "بلحة" في السياق الشعبي المصري على كل شخص يدعي الفطنة والحكمة، لكنه لا يمتلك في الحقيقة شيئا منها.
روح المقاومة
وفي الوقت الذي تثار فيه فيهات السخرية من بلحة الحاكم بقوة السلاح، تكمن محاولة النظام العسكري قتل روح المقاومة لدى الشعب المصري، سواء أكانت فنية أو ثقافية أو مجرد كتابات أو رسوم على الجدران، خوفا من وصولها إلى ميدان الفعل بالشارع، وهو ما يخشاه النظام العسكري الذي أزال من المناهج الدراسية كل معاني الجهاد ومقاومة الظالمين وطمس جداريات الثورة والجرافيتي الثائر من شوارع مصر، بالإضافة إلى حذف المقالات ومنع نشر كتب وروايات وحجب مواقع تنويرية لمنع نور اليقظة عن العقل المصري الذي يجري تنويمه لتمكين الاستبداد والقهر لأبعد مدى وهو ما لا يستطيعه أي نظام في ظل ثورة الإنترنت والمعلوماتية، والتي لا يوقفها أحد. وتدخلت الرقابة الفنية المصرية في حذف الأغنيتين وهو ما لم يحدث فى أي مرحلة زمنية سابقة.
ولا تخل الأغنيتان من إشارات سياسية منذ نشأتهما، حيث تشير كلمات أغنية "يا بلح زغلول" إلى زعيم ثورة 1919 "سعد زغلول"؛ حيث تحايل صاحب الأغنية سيد درويش لذكر اسم "زغلول"، الذي منعته سلطات الاحتلال التغني باسمه، فلجأ إلى اسم أحد أفشهر أنواع البلح المصري المسمى بـ"زغلول".
أما أغنية "أهو ده اللي صار" فهي تركز على مدح المصريين عموما في مواجهة خصومهم المحتلين، وهي الفقرات التي حذفتها الرقابة.
وقال شهود عيان حضروا العرض المسرحي إن تلك الأغنيتين شهدتا تصفيقا حارا من الجمهور وترديدا وتفاعلا ملحوظا، وهو ربما ما لفت أنظار الرقابة أكثر إلى أن لهما مغزى وإسقاطا على الوضع السياسي الحالي في البلاد.
واعتبر مراقبون أن الرقابة بقرارها السالف أكدت من حيث لا تدري إطلاق اسم "بلحة" على سياسات "السيسي" وشخصه، مؤكدين أن المنع نقل ذلك اللقب الساخر من النطاق الشعبي الساخر إلى النطاق الرسمي المانع. أي أن " اللي علي راسه بطحة بيحسس عليها"!
بلحة.. أغنية قتلت مخرجها وسجنت مستمعيها!
ولعل رعب السيسي من أي صوت معارض أو قريب من المعارضة أو يفهم منه معانٍ قريبة للمعارضة، هو ما قتل أحد شباب الثورة المصرية بنفس الكلمات، التي يوصم بها السيسي "بلحة". ففي عام 2018 كانت المدة الأولى لسلطة المغتصب السيسي قد انتهت وراح يبحث عن تمديد مدته وبدأت الفضائيات التابعة له والمطبلون من الإعلاميين المرتمين في حضن نظامه يمهدون لضرورة استمراره في الحكم، التقط وقتها المغني "رامي عصام الخيط" وراح يجهز لأغنية معارضة لتمرير الفترة الثانية لحكم "السيسي" وتمت كتابة أغنية (بلحة).
وكانت شهرة "عصام" قد بدأت مع ثورة يناير 2011، وعرف عنه معارضته الشديدة لفترة حكم الرئيس الشهيد "محمد مرسي" بل وصنع وقتها أغنيات ضد جماعة "الإخوان المسلمون"، ومع ذلك لم تمتد إليه يد وقتها.
وفي الأغنية اعتمد "رامي" على جملة من الفلكلور المصري (حلوة يا بلحة يا مقمعة)، وعادة ما تغنيها سجينات الآداب لمن يتم الإمساك بها في هذه النوعية من القضايا كناية عن سقوط الفتاة في الرذيلة.
انتقدت الأغنية سنوات حكم "السيسي"، والعاصمة الإدارية، ومشروع تفريعة قناة السويس الجديدة، والدور التوسعي لاقتصاد للجيش في عهد "السيسي"، وأكذوبة الحرب على الإرهاب التي يديرها في سيناء، وأضاف إليها تكميم الأفواه وخنق الحريات، ونظرا لأن الأغنية كانت تنقد "السيسي" بشكل صريح فقد كان رد الفعل عليها قاسيا.
"عصام" نفذ الأغنية وهو خارج البلاد، فقد هاجر إلى السويد منذ العام 2014 هربا من "السيسي" ومبتعدا عن أجهزة أمن الانقلاب التي كانت تمارس تضييقا عليه بعد انقلاب يوليو 2013، ومع ظهور الأغنية تتبعت أجهزة أمن الانقلاب في مصر كل المشاركين في الأغنية وتم القبض على 7 أفراد منهم كاتب الأغنية الشاعر الشاب "جلال البحيري" ومخرجها الشاب الذي لم يتجاوز وقتها الثانية والعشرين "شادي حبش"، والشاب "أحمد شوقي" مدير صفحة "رامي عصام"، وخبير السوشيال ميديا الذي ساعد "رامي" في إنشاء الصفحة "مصطفى جمال"، واعتقل أيضا عازف الجيتار رامي صدقي الذي عزف لعدد من الفرق الشهيرة ومن ضمنها فرقة رامي عصام رغم أنهما منقطعان عن التواصل منذ عام 2015.
أما الاعتقال الأغرب فكان لأحد مستمعي الأغنية؛ حيث اعتقل مواطن يدعى محمد عبدالباسط، لمجرد أنه كان يستمع إلى الأغنية في سيارته. الغريب أن الاعتقال كان في الكويت وتم ترحيل "عبد الباسط" إلى مصر.
والأغرب أن جميع المتهمين الذين تم وضعهم على ذمة هذه القضية واجهوا تهمة واحدة وهي، الانضمام إلى جماعة إرهابية، ونشر أخبار كاذبة، وإساءة استخدام شبكات التواصل الاجتماعي، وازدراء الدين وإهانة المؤسسة العسكرية، ورغم ذلك ظلوا جميعا محبوسين على ذمة القضية منذ اعتقالهم في العام 2018 دون صدور أحكام، مع الاكتفاء بتجديد مدد حبسهم 45 يوما كل فترة.
وفاة المخرج
وفي 2 مايو 2020، أعلنت جهات حقوقية عدة وفاة المخرج الشاب "شادي حبش"، الذي شارك إخراج أغنية "بلحة". "شادي" الذي توفي في عامه الـ24، مصور حائز على جائزة أفضل مصور لوسط (الأندرجرواند) التي نالها من صفحة (الأندر جراوند سوسايتي) إحدى أهم صفحات دعم الفن البديل وفنانيه عالميا.
وفاة "شادي حبش" وفق بيانات المنظمات الحقوقية جاءت نتيجة الإهمال الطبي الذي عانى منه خلال مرحلة سجنه، حيث أشارت هذه المصادر إلى أن صحة "حبش" كانت قد تدهورت مؤخرا وأن إدارة السجن لم تستجب لتوسلات زملائه المعتقلين ولم تقدم له أية مساعدة طبية أو حتى تنقله إلى المستشفى.
وفي أكتوبر 2019، أرسل "شادي" رسالة استغاثة يطالب فيها المجتمع بالتحرك لتذكير هؤلاء أن هناك سجينا خلف القضبان جاء فيها "في السنتين اللتين مرتا حاولت أن أقاوم كل ما يحدث بمفردي لأحضر لك نفس الشخص الذي تعرفه، لكنك لست قادرا على الخلاص. مفهوم المقاومة في السجن: أنت تقاوم نفسك وتحميها وإنسانيتك من الآثار السلبية لمن يرى ويعيش كل يوم ويبسطها. تصاب بالجنون أو تموت ببطء، لأنك تستهدفها بقول عامين ونسيت أنني لا أعرف متى ستخرج؟ أو كيف؟ والنتيجة إني لسه في السجن و كل 45 يوم بنزل عند قاضي و بتكون نفس النتيجة " تجديد 45 يوم" من غير حتي ما يبصلي او يبص لورق القضية اللي كل اللي فيها مشيوا من 6 شهور).
وهكذا يواجه السيسي ونظامه كل من ينتقده من قريب أو بعيد بالقمع والقتل والمنع والحجب.. راجعا بمصر لقرون مضت.. تحت تهديد السلاح.