ما زال صندوق مصر السيادي محل لغز كبير في ظل قيامه على مبدأ التفريط في الثروة، بدلا من تنميتها واستفادة الأجيال الحالية واللاحقة منها، كما هو عليه الحال في طبيعة الصناديق السيادية عالميا. فقد تمثلت موارد الصندوق وفق قانونه على رأس ماله، والأصول التي تنتقل ملكيتها للصندوق والمملوكة للدولة أو لأي من الجهات أو الشركات التابعة لها، والعائد من استثمار أموال الصندوق واستغلال أصوله، فضلا عن القروض والتسهيلات التي يحصل عليها، وحصيلة إصدارات السندات والأدوات المالية الأخرى، إضافة إلى الموارد الأخرى التي يقرها مجلس الإدارة ويصدر بقبولها قرار من رئيس مجلس الوزراء.

والناظر إلى الخطوات العملية لموارد الصندوق يجد أن أكثرها أهمية هو السيطرة على أصول الدولة، لا سيما الأصول الحيوية. ففي العام الماضي استولى الصندوق على أصول قيمتها 17.5 مليار جنيه، في مقدمتها أرض المعارض بمدينة نصر، وأرض مكتبة الإسكندرية. وفي الأسبوع الماضي أصدر عبد الفتاح السيسي قرارا جمهوريا بنقل ملكية عدد من العقارات والأراضي بمحافظات القاهرة والجيزة والغربية إلى الصندوق. وقد تضمنت هذه الأصول أرض ومبنى مجمع التحرير بمساحة 3.055 فدان، وأرض ومباني المقر الإداري لوزارة الداخلية القديم بمساحة 4.60 فدان، وأرض الحزب الوطني المنحل بمساحة 3.95 فدان. وشملت أيضا أرض ومباني كل من القرية التعليمية الاستكشافية والقرية الكونية بمدينة السادس من أكتوبر، وأرض ومباني ملحق معهد ناصر في كورنيش شبرا مصر، وأرض حديقة الأندلس (حديقة الحيوان بطنطا) في محافظة الغربية.

إن سياسة السيسي – للأسف الشديد – تسري في طريقها المرسوم لتحقيق مبتغاه في صدمة المواطن، بتحميله ما لا يطيق من الجباية، والإفراط في الديون، وبيع أصول مصر للمحظوظين دون شفافية أو إفصاح. فلا يمكن لأحد أن ينازع سلوك الصندوق في بيع أي من الأصول التي استولى عليها، لا سيما وأن القانون ينص على ألا ترفع الدعاوى ببطلان العقود المبرمة من الصندوق، وكذلك القرارات أو الإجراءات التي يتخذها استنادا على تلك العقود، إلا من طرفي التعاقد دون غيرهم. كما أنه لا يحق إلا للصندوق والجهة المالكة دون غيرهما الطعن على قرار رئيس الجمهورية بنقل ملكية الأصول العامة إلى الصندوق السيادي، أو الإجراءات التي اتخذت بناء على هذا القرار.

إن سياسة حرق أصول مصر وتحميل الجيل الحالي والأجيال المستقبلية بفاتورة ديون تعجز الأصول عن سدادها، سيؤدي لا محالة إلى تبخر ما تبقى من أصول، لا سيما وأن فاتورة الديون الخارجية أصبحت مبهمة في ظل تلاعب البنك المركزي بأرقامها، رغم حصول مصر على تمويل تقليدي وإسلامي منذ أيام من خلال سندات وصكوك بقيمة ملياري دولار.

إن المواطن المصري غارق في ما يحيط به من غلاء وفقر ودين، ولم يكتف السيسي بذلك، فامتدت يداه إلى منازل المواطنين لهدمها دون توفير بديل، وهدد بنزول الجيش للقرى لمزيد من الهدم. وجاء كعادته على المواطن الضعيف، وترك المفسدين، بل وحمّل الذين هدمت بيوتهم تكاليف الهدم، مع أن الدول مسؤولة في الأساس عن توفير السكن لمواطنيها. والعجيب أن التوجه الآن لتكبيل الشعب بالديون الشخصية من أجل سداد غرامات مخالفة البناء، التي لا يعرف لمكانها طريقا.

إن الاقتصاد المصري في عهد السيسي أصبح عملة واحدة لها وجهان: الديون والعسكرة. وقد أعلن السيسي عن استمرار سياسته في الاعتماد على الديون وترقيعها، بل وأشاد بها رغم خطورتها ووصفها بأنها انتشلت البلاد من الركود والانهيار.

أما العسكرة في الاقتصاد فهي لخدمة العسكر أنفسهم، ولم يقتصر الأمر على ما بنوه من وحدات سكنية عجز المواطن حتى عن دفع مقدمها فضلا عن أقساطها، ولم يجد المواطن جزاء لذلك سوى هدم منزله وبقائه في الشارع بلا مأوى، بل امتد نشاط العسكر إلى كل ما يغذي جيوبهم، فتباهوا ببناء الطرقات والجسور، بعيدا عن توفير وتعزيز مشروعات البنية الاجتماعية من صحة وتعليم، أو ترك القطاع الخاص يمارس دوره الطبيعي في التنمية التي أكلتها الديون قبل أن تبدأ. ولم يجد في نهاية المطاف المواطن المصري سوى السلوك الحكومي بالجباية والديون وبيع الأصول، ومعه إلهاب ظهره بالفقر والجوع!!
—–
نقلاً عن "عربي21"

Facebook Comments