في محاولة متسارعة من قبل السيسي لامتصاص الغضب المتصاعد في أوساط المؤسسسات التابعة لنظامه، خاصة المخابرات والجيش، حيث عقد السيسي، الإثنين، اجتماعا مع المجلس الأعلى للقوات المسلحة، والذي يتكون من كبار ضباط الجيش.
وكان على رأس حضور الاجتماع الفريق أول "محمد زكى" القائد العام للقوات المسلحة وزير الدفاع والإنتاج الحربى، والفريق "محمد فريد" رئيس أركان حرب القوات المسلحة.
وتقول وسائل إعلام السيسي إن الاجتماع جاء بمناسبة احتفلات حرب السادس من أكتوبر التي انتصرت فيها مصر على الكيان الصهيوني، غير أن المعطيات على الأرض تقول إن الاجتماع يأتي في وقت تشهد فيه البلاد حراكا ثوريا وإن كان محدودا ضد "السيسي"، وهو حراك نادر من نوعه وله أصداء واسعة.
صراع الأشقاء
كما تشهد مصر تحديات خارجية، أبرزها الصراع الدائر في ليبيا، بجانب إعلان إثيوبيا أمس عن أن القوات الجوية الإثيوبية مؤمّنة تماما حول سد النهضة، وأن أي طائر ليس بإمكانه الوصول إلى منطقة السد، وهو ما يفسره خبراء بأنه تهديد مبطن لمصر بأن أي إقدام على مهاجمة السد عسكريا، سيكون محاولة فاشلة.
وتتناب حالة من الغضب قيادات مسئولة كبيرة في جهاز المخابرات العامة ، إثر التعامل مع حالة الاحتقان التي تسيطر على الشارع المصري جراء القرارات الأخيرة، والتي كان في مقدمتها غرامات التصالح في مخالفات البناء.
ونقلت مصادر رفيعة، أنه كانت هناك تحذيرات مسبقة للسيسي عبر تقارير سيادية عدة، من المضي قدماً في تفعيل القانون، في ظل قرارات سبقته بزيادة أسعار تذاكر مترو الأنفاق، والمواصلات العامة، ورسوم استخراج الأوراق الرسمية، ومصروفات المدارس الحكومية.
المخابرات غاضبة
كما أعربت قيادات المخابرات عن غضبها من خطة التعامل مع حالة الاحتجاج التي شهدها الشارع سواء في التظاهرات الغاضبة في العديد من القرى والمراكز المطالبة برحيل السيسي، في ظل تردي الأوضاع الاقتصادية، أو في تنظيم فعاليات للإيحاء بدعم مزيف للنظام. ولفتت المصادر بما سمته بـ"فتور" في العلاقة بين السيسي ووزير الدفاع محمد زكي، ربما يصل إلى حد الخلاف بين الرجلين.
وأضافت المصادر، أن زكي يتمسك بعدم الزجّ بالجيش في أي خلافات داخلية منذ فترة طويلة، ويصرّ أيضاً على سحب عناصر الجيش بشكل كامل من الشارع، منذ فترة، وتفريغه لمهامه المعني بها في المقام الأول، والخاص بتأمين حدود البلاد، والمهام العسكرية".
ويصر "زكي" أن ذلك هو مطلب قيادات الجيش بالأساس، عكس رغبة "السيسي"، وهو ما تسبب في حالة من الفتور، ودفع هذا الفتور السيسي إلى توجيه تعليمات بتخفيض حجم الظهور الإعلامي لوزير دفاعه، فقلّل ذلك التفاعل مع مناورة "مشروع حرب" نفّذها الجيش المصري، في نهاية أغسطس الماضي، بمشاركة وزير الدفاع، وحضور عدد من الإعلاميين.
ولم تحظَ المناورة بتغطية إعلامية مباشرة على الرغم من حضور الوزير. ووفق المصادر فإن "تخفيض" الظهور الإعلامي للوزير، كان ضمن مجموعة تعليمات أخرى تضمنت مشاركة رئيس الأركان محمد فريد حجازي، وحده في المناورات إلى جانب قادة الأفرع من دون مشاركة من جانب الوزير".
وحسب المصادر فإن الوزير من جانبه لا يكترث بمثل هذه التعليمات ولا تشغله، وأن كل ما يهمه فقط هو تنفيذ خطته الرامية إلى النأي بالمؤسسة العسكرية بعيداً عن مناطق النزاع أو الصدام مع الشعب. وأضافت المصادر أن "الوزير على قناعة أيضاً بأن أي وزير دفاع بعد 30 يونيو 2013 لن يستمر في موقعه كثيراً، كما كان في السابق، على غرار المشير محمد حسين طنطاوي، الذي استمر في منصبه خلال عهد الرئيس المخلوع حسني مبارك.
وتابعت المصادر: "لذلك كل ما يهمه فقط هو الحفاظ على الجيش". ودللت أن الفترة الأخيرة شهدت عدم التجديد لعدد من قادة الصفين الأول والثاني في المؤسسة العسكرية ممن كانوا يحسبون على الوزير، وإحالتهم للتقاعد، وعدم الموافقة على توصيات بالتجديد لبعضهم، بهدف تفريغ المؤسسة العسكرية من الشخصيات الرافضة لتوجه "السيسي" والداعمة أيضاً لتوجيهات الوزير.
وبرز حسب المصادر في 13 سبتمبر الماضي، مع إقامة وزارة الدفاع حفلاً لتكريم عدد من القادة العسكريين المحالين للتقاعد، فقلّدهم "زكي" وسام الجمهورية من الطبقة الثانية، الذي صادق على منحه لهم "السيسي"، بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة.
وقالت المصادر، إن هناك قلقاً داخل الدائرة الصغيرة المحيطة بـ"السيسي"، من زيادة عدد القيادات المؤثرة التي باتت علاقاتها به مشوبة بالتوتر أو الفتور، مثل شيخ الأزهر "أحمد الطيب"، وأخيراً وزير الدفاع.
وأوضحت في الوقت ذاته، أنه لا يمكن وصف العلاقة بين الرجلين والسيسي بالصدام بل بـ"تباين وجهات النظر"، في ظل تمسك كل من شيخ الأزهر، ووزير الدفاع، بالحفاظ على المؤسستين الخاضعتين لقيادتهما.
وبينت المصادر أن بعض تحركات المؤسسة العسكرية لتحسين صورتها شعبياً، والتي فضلت المصادر عدم توضيحها، أثارت استياء أطراف داخل دائرة "السيسي" المقربة.
ونوّهت إلى أن "زكي" أبدى ملاحظات على السياسات الأمنية الداخلية، وإطلاق يد جهاز الأمن الوطني، التي من شأنها إعادة تدوير الغضب في الشارع وتأجيجه، والذي من شأنها تسخين الساحة الداخلية.
أزمة وظيفية بالجيش
وسببت سياسات السيسي إرهاق الجيش في الملفات الداخلية غير الممنوطة به دستوريا في إحداث الكثير من الأزمات داخل المؤسسة العسكرية، سواء على مستوى الأداء المتراجع والذي تسبب في كثير من الخسائر داخل ساحات سيناء ومواجهة العمليات المسلحة والتي يقول عنه بعض المختصين إنها مدبرة من قبل دوائر السيسي الضيقة لاشغال الجيش وانهاكه في مواجهة مؤسسة الرئاسة.
وفي هذا السياق كشفت معهد "جلوبال بوليسي"، أن الجيش المصري بات يعاني من عجز في القيادة بسبب ركون الجنرالات إلى الوضع الراهن ودفاعهم عنه ومقاومتهم أي عملية إصلاح في صفوف الجيش ما جعلهم غير قادرين على مواجهة تحديات القرن الـ21.
جاء ذلك في تقرير للمعهد تحت عنوان "عجز القيادة العسكرية في مصر".
ووفق تقرير المعهد، فإنه "عقب صعود السيسي إلى منصب وزير الدفاع عام 2012، تحسر في أحاديثه إلى الضباط خلال مؤتمرات القيادة الروتينية في عدة مناسبات، على الطريقة التي سمح بها أسلافه للجيش بالركود، وشدد على الحاجة إلى تصحيح المسار وتحديث القوات المسلحة".
وبالفعل، أصبحت مشتريات الأسلحة الجديدة المتنوعة والقوية سمة من سمات صعود "السيسي" إلى السلطة حيث أصبح الجيش المصري الآن ثالث أكبر مستورد للأسلحة في العالم على الرغم من هشاشة الوضع الاقتصادي للبلاد ومستويات الفقر المتزايدة، وفق التقرير.
وفي حين ركز الجيش جهود التحديث على إعادة التسلح، حسب التقرير، فإنه لا يزال متطابقًا هيكليًا وتنظيميًا مع النسخة التي فشلت في التحديث في عهد وزير الدفاع الأسبق "محمد حسين طنطاوي"، إبان حكم الرئيس الراحل "حسني مبارك".