توقعت دراسة لـ"المعهد المصري للدراسات" بعنوان "حراك سبتمبر 2020 المشاهد والسيناريوهات" للباحث محمود جمال أن يستمر السيسي بقراراته الصادمة بحق الشعب المصري والمتعلقة بتوسيع دائرة الجباية والضرائب وعدم الالتفات لما شهدته مصر خلال شهر سبتمبر 2020م، من حراك شعبي في العديد من المحافظات، بسبب الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية المتردية التي يعاني منها الكثير من أفراد الشعب المصري، والناتجة عن السياسات التي يتبعها السيسي.
لكنه أشار إلى أن عزوف 54 مليون مواطن عن انتخابات مجلس الشيوخ التي جرت خلال الفترة الماضية، والحراك الشعبي الذي شهده الشارع المصري في سبتمبر 2020م، أربك السيسي ونظامه بعض الشيء، وأوضح أن الأمور تسير على عكس ما يريده النظام، وأظهر أن القمع الأمني لم يفلح في إسكات المواطنين تمامًا، وأن الأوضاع الاقتصادية التي تتجه نحو الأسوأ خلال المرجلة المقبلة نتيجة لتداعيات أزمة كورنا على الاقتصاد المصري المتراجع أصلًا، فضلًا عن عدة عوامل أخرى، سيكون لها تداعيات مؤثره قد تهدد النظام بشكل حقيقي.
عناد وخداع
واستدرك "جمال" قائلا إن تراجع السيسي "المؤقت" عن المضي قدمًا في تنفيذ هدم منازل المواطنين ما هو إلا "خدعة استراتيجية" لكي تهدأ موجة الحراك، وأنه سيعاود قريبًا تنفيذ تلك الإجراءات، بل سيعمل على سن قوانين أخرى أكثر تشددًا، ستلقي بعبء أكبر على عاتق المواطنين، وستعاني الطبقات المتوسطة والفقيرة بشكل أكبر مما تعانيه الآن، مما قد يدفع إلى تحرك المواطنين بشكل أكبر خلال الفترات المقبلة.
وأضاف أنه في المستقبل القريب ستظهر تداعيات الانتهاء من إنشاء سد النهضة الذي فشل السيسي في التعامل معه، وفي ظل غياب أي أفق للوصول إلى اتفاق نهائي مع إثيوبيا حول ملء السد وتشغيله، وهذا قد يكون دافعا أكبر لحراك الشارع مرة أخرى إذا ما بدأ ظهور آثار النقص في المياه بشكل حاد.
وأشار إلى أن "ديدن السيسي هو العناد والخداع، ولن يقوم بتغيير نهجة وسياساته التي يسير عليها، وتوقف الحراك هو إعطاء فرصة للسيسي للانقضاض. فالأنظمة القمعية لا تفهم غير سياسة التنكيل وسياساتها تنحصر فقط في "فلسفة البقاء"، وحين تجبر على تغيير بعض سياساتها بسبب تهديد قد يلحق بالنظام تكون فقط مرحلة انحناء للعاصفة مع وضع خطة للانقضاض والانتقام؛ لذلك تكون فاتورة الهزيمة في الفعل الثوري المتقطع باهظة للغاية".
الاحتجاجات ستتصاعد
واشار إلى أن وتيرة الاحتجاجات ستتصاعد مرة أخرى لعدم معالجة أسباب الاحتقان سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، وإذا تم استثمار تلك الحالة يمكن أن يكون ذلك مدخلًا لإصلاحات أو تغيير حقيقي في المدى المنظور يؤدي الى تحول ديمقراطي إذا أحسن الاستفادة منه.
واستدرك قائلا أنه "إذا أراد المصريون حراكًا يؤدي الى تحول ديمقراطي، فعليهم أن يعلموا أن تلك هي فقط مرحلة البداية التي يمكن البناء عليها، وأن الشعب بدأ يكسر حاجز الخوف، وإن كان ذلك على استحياء، وأن الثورات لا تحقق أهدافها في "يوم وليلة"، ولتحقيق انتصار في معركة الحرية والتخلص من الاستبداد يجب اتباع سياسة "النفس الطويل"؛ والتجارب الناجحة في التحول الديمقراطي".
وأشار إلى أن الحراك الحادث في 2020 في مصر، ومن قبله في 2019 ما هو إلا حالات تتراكم أثارها وستتبعها حالات أخرى، أكثر تقاربا على الأرجح حتى الوصول إلى نقطة حرجة، لن يمكن للنظام فيها الصمود أمام الفعل الثوري.

سيناريوهان متوقعان
وخلص الباحث في دراسته أو ورقته التي قدمت رصدًا للحراك الذي شهده الشارع المصري مؤخرا، مع تحليله، ومع محاولة استشراف ما يمكن أن تئول إليه الأوضاع خلال المرحلة المقبلة إلى أنه سيناريو أول بـ"تراجع السيسي لاحتواء الموقف" وأن السيسي يمكن أن ينتهج سياسات جديدة "مستدامة" وتحديدًا في الملف الاقتصادي حتى تهدأ الأوضاع وتتراجع بعض الشيء معاناة الطبقات المتوسطة والفقيرة التي عانت وتعاني بشكل كبير بسبب سياسات نظامه الاقتصادية، وأنه سيتوقف عن تنفيذ بعض القرارات التي بسبها تحرك أغلب المشاركين في حراك سبتمبر 2020، هذا بالتزامن مع زيادة قبضته الأمنية لإحكام سيطرته على محافظات وقرى ومناطق الأطراف والتي كانت بعيدة بعض الشيء عن السيطرة الأمنية، بخلاف مدن ومناطق العاصمة الكبرى وبعض محافظات الساحل والوادي "سياسة العصا والجزرة".
وأضافت أنه في نفس الوقت سيقوم بالتنكيل بالقوى السياسية خاصة قوى الإسلام السياسي؛ لإسكاتها وعدم دعوتها أو حتى تأييدها لأي حراك مجتمعي خلال الفترات المقبلة، ويرى البعض أن توقيت تنفيذ أحكام الإعدام التي جرت في أوائل شهر أكتوبر 2020م، في حق 15 شخصا بعد أكثر من 3 سنوات من تأكيدها نهائيا رسالة قوية من السيسي ونظامه أن هذه هي طريقة التعامل مع الشعب إذا رفع صوته.
الاستمرار في السياسات
ورأى أن هذا هو السيناريو الذي يرجحه على غرار ما حدث بعد سبتمبر 2019م، وهو يقوم على أن السيسي سيتعامل مع الحراك الحادث مؤخرا من منظور أمني فقط لإسكات وإخماد حالة الحراك الحالي، وسيقوم بالمزيد من حملات الاعتقال في المحافظات المختلفة، مع القيام بتنفيذ أحكام الإعدام الإضافية لردع الشعب وتخويفه إذا ما اندلع الحراك مرة أخرى "استراتيجية التخويف والقمع"، وسيجمد بشكل مؤقت تنفيذ بعض القرارات ومنها قرار هدم المنازل، حتي يسيطر على الحراك بشكل كامل، ثم سيعود الى نفس سياساته الاقتصادية بل سيتخذ قرارات أشد وستعاني الطبقات المتوسطة والفقيرة بشكل أكبر مما تعانيه الآن، وهذا كان نفس أسلوب تعامل السيسي مع حراك سبتمبر 2019م بعد تأكده من توقف الحراك.
أسباب السقوط
وأشار إلى أنه بقراءة تجارب التحول الديمقراطي في كلٍ من الأرجنتين وتشيلي وإندونيسيا اتضح أن أهم العوامل التي أدت إلى سقوط الحكم العسكري أربعة أمور: –
أ- تراجع الدعم الدولي للنظم العسكرية في تلك البلدان.
ب- تدهور الأوضاع الاقتصادية بشكل كبير على يد تلك النظم العسكرية.
جـ- تيقن جزء من داخل المؤسسة العسكرية بأن الضرر سيلحق بالمؤسسة العسكرية ككل في حال استمرار النظام العسكري واتخاذ القرار بالوقوف مع التغيير.
د- الملف الحقوقي والانتهاكات التي مارستها تلك النظم العسكرية في حق الشعوب.
وتلك العوامل بعضها متواجد بشكل كبير الآن في الحالة المصرية بدرجات مختلفة، ويمكن للعوامل الأخرى أن تدخل على الساحة باستمرار الفعل الشعبي.