التفريط في ثروت مصر.. السيسي يصادق على ترسيم الحدود البحرية مع اليونان

- ‎فيتقارير

وافق قائد الانقلاب الدكتاتور عبدالفتاح السيسي على اتفاق ترسيم الحدود البحرية مع اليونان لتعيين المنطقة الاقتصادية الخالصة الموقع بين البلدين. وهي الاتفاقية التي أعلنت عنها حكومة الانقلاب في 6 أغسطس 2020م. بشأن ثروات الغاز شرق المتوسط وهي منطقة تشهد أحداثا ملتهبة وصراعا على ثروات الغاز الهائلة بها.

واعتبرت أنقرة أن الحدود البحرية التي سيتم ترسيمها بين مصر واليونان، أيا كان المسار الذي ستمر من خلاله، تهدف إلى محو الحدود البحرية بين تركيا وليبيا، واستشهدت على هذا ما تظهره عدة خرائط منشورة في الصحف اليونانية. وأعلنت أنقرة أن هناك عواقب أخرى لترسيم الحدود البحرية بين اليونان ومصر؛ إذ أن هذا الترسيم ينهي احتمالية توقيع اتفاقية ترسيم للحدود بين اليونان وإدارة قبرص التركية.  واعتبرت أنه أصبح من الصعب مد خطوط أنابيب مشروع "إيست ميد"، الذي يبدو من المستحيل تحقيقه من المنطقة الاقتصادية الخالصة وحتى الجرف القاري اليوناني، دون أن يمر بالجرف القاري التركي.

وفي 2017م، جرى تسريب وثائق صادرة عن الخارجية المصرية تكشف  عن رفض الوزارة  للطرح اليوناني لترسيم الحدود ؛  لتمسُّكه بمواقف قد تؤدي إلى خسارة مصر مساحات من مياهها الاقتصادية، مع استمرار المفاوضات للتوافق والاستفادة من الموارد. هذه الوثائق تتهم أثينا باللجوء إلى "مغالطات وادعاءات وأساليب ملتوية" في المفاوضات عن تعمُّد "استغلال التوافق السياسي بين البلدين لإحراج فريق التفاوض المصري".

ترسيم الحدود البحرية بين مصر واليونان وفقا للتصورات والخرائط التي طرحتها أثينا ربما يمثل حصارا قانونيا للاتفاق التركي الليبي، لكن ذلك سوف ينعكس على مصر من ناحية استمرار تهديد خط East Med  الإسرائيلي لتموضع مصر كمنصة إقليمية مع خسارة مساحات ليست بالقليلة من المناطق الاقتصادية الخالصة". ووفقا للباحث السياسي خالد فؤاد في ورقة بحثية له فإن مصر قد تخسر منطقة بحرية بمساحة تقارب 15 ألف كيلومتر مربع، أي إنها تعادل مساحة محافظة الجيزة تقريباً، وتمثل 130 ضعف مساحة جزيرتي تيران وصنافير.  وبالتالي ووفقا للطرح اليوناني فإن مصر ستخسر مساحات مائية هائلة في منطقة واعدة بالثروات يتنازع جميع أطرافها للحصول على أي مساحة مائية مهما كانت صغيرة، تمكنهم من التنقيب عن النفط والغاز. واعتبر خطوة السيسي تكرارا لكارثة التنازل عن جزيرتي "تيران وصنافير" لترضية حلفاء النظام على حساب الأمن القومي المصر وسيادة مصر على أراضيها ومياهها الإقليمية والاقتصادية وما تضمه من ثروات هائلة.

 إضافة إلى ذلك، فإن الاتفاق يورط  الدولة المصرية العربية المسلمة في الخلاف التركي اليوناني المعقد بطبيعته ويؤكد انحياز السيسي باستمرار إلى كل طرف (إسرائيل ــ الهند ــ  الصين ــ اليونان ــ بشار ــ حفتر..) يعادي المبادئ والقيم والتوجهات الإسلامي ومصالح المسلمين. هذا النهج من جانب السيسي بالتوقيع على ترسيم الحدود البحرية مع اليونان دون الأخد في الاعتبار طبيعة وأبعاد الأزمة بين أنقرة وأثينا من شانه أن يعقد الأزمة ويربك الحسابات ويجعل وصول  الأطراف إلى اتفاق شامل أمرا بعيد المنال.

يمكن تفسير إصرار نظام السيسي على التفريط في سيادة مصر مياهها الاقتصادية وثرواتها من الغاز والنفط بالمصادقة على اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع اليونان؛  لحرصه الشديد على حماية نظامه من السقوط في ظل أزمة اقتصادية عنيفة تفاقمت بشدة مع  تفشي جائحة كورونا. وأمام اعتماد النظام على التوسع في الاقتراض وفرض المزيد من الضرائب والرسوم مع عدم قدرة عواصم الخليج الداعمة له على تقديم مساعدات مالية جديدة فإن نظام السيسي يرى في ترسيم الحدود البحرية فرصة لزيادة الاستثمار في قطاع الطاقة الذي يراهن عليه النظام في در  مزيد من الموارد في وقت قريب.

من جهة ثانية، لا يعتبر توقيع اتفاق تعيين الحدود البحرية بين مصر واليونان مجرد حلقة جديدة في مسلسل التصعيد بين القاهرة وأنقرة، بل يمثل خطوة يصادر بها نظام السيسي مستقبل العلاقات بين البلدين والشعبين لسنوات وربما عقود مقبلة، بإقدامه على إهداء الخصم التاريخي والإقليمي الأول للأتراك مفتاحاً لتعقيد قضية الحدود اليونانية التركية التي لا أفق لحلها في المستقبل القريب، باستمرار النزاع بين البلدين على ملكية بعض الجزر، فضلاً عن ترسيم المناطق البحرية الخاصة بكل منهما.

الاتفاق بناء على هذه الحيثيات، يدفع باتجاه معادلة صفريّة في شرق البحر المتوسط كما أنّه يهدد بعسكرة الصراع بشكل متزايد وخطير ويبدو ذلك واضحاً من خلال الرد التركي الأولي على هذا التطوّر السلبي. الجانب التركي ذكّر نظام السيسي بأنّ اتفاق القاهرة مع قبرص أدّى إلى خسارة مصر ١١٥٠٠ كلم مربع من حقوقها، وأنّ اتفاقه مع اليونان يضيف خسائر أخرى لهذه الخسائر. لكن الأهم في التعليق التركي هو أنّ أنقرة أكّدت أنّها لن تسمح لأحد بالتعدي على حقوقها وأنّها ستمنع أي نشاطات في المنطقة المذكورة التي تنتهك حقوقها في الجرف القاري وأنّها ستثبت أنّ الاتفاق وكأنه لم يكن بالنسبة إليها على طاولة المفاوضات وفي الميدان على حدٍ سواء.