يحاول الطاغية عبدالفتاح السيسي وآلته الحكومية والإعلامية حصر الصراع بينه وبين الشعب وكأنه صراع بين نظامه الانقلابي وجماعة الإخوان المسلمين؛ ما يمثل قفزا على الواقع وهروبا من مواجهة الحقيقة التي تؤكد أن عداء السيسي طال كل فئات الشعب المصري باستثناء القلة المنتفعة من كبار القادة والجنرالات في أجهزته الأمنية والحكومية وكبار قادة مؤسسته الدينية في الأزهر والكنيسة رغم أن السيسي هو المتهم رقم واحد في مذبحة ماسبيرو في أكتوبر 2011م.
وكان قائد الانقلاب خلال حضوره في الندوة التثقيفية للقوات المسلحة يوم الأحد 11 أكتوبر 2020م، بمناسة الذكرى 47 لحرب أكتوبر، قد استبعد ما وصفه بالتصالح مع من اعتبرهم يهددون ويؤذون البلاد، وزعم السيسي أن "حروب الرأي العام" مستمرة ضد مصر، وعلى رأسها التشكيك في قيادته (السيسي) والقوات المسلحة للبلاد"، مناشداً المواطنين الحفاظ على الاستقرار للنهوض بالدولة.
وأضاف السيسي: "لو اختلفت معايا اختلاف كده فأهلاً وسهلاً، لكن علشان تخش تقتل وتدمر وتضيع 100 مليون أقدر أتصالح إزاي، إذا كان شعب مصر هان عليك، الأطفال وسيدات مصر والكبار هانوا عليك، مستعد تشردهم وتوديهم يتقتلوا ويبقوا لاجئين، ومخوفتش ومقولتش بلاش لأجل خاطر الناس في مصر". تصريحات السيسي تأتي في أعقاب انتفاضة 20 سبتمبر حيث خرجت نحو 150 تظاهرة تهتف برحيل السيسي وتندد بالأوضاع المعيشية الصعبة التي يعيشونها، واحتجاجاتها على القرارات الأخيرة التي اتخذتها الحكومة، خاصة قانون "المصالحة" الذي أرغم ملايين المصريين على دفع إتاوات للسيسي وحكومته لتجنب هدم منازلهم.
صدام مباشر مع الشعب كله
فالسيسي قاد انقلابا دمويا على أول رئيس مدني منتخب في تاريخ مصر، وعصف بالمسار الديمقراطي الذي جاء ثمرة من ثمار ثورة 25 يناير، وفي سبيل تحقيق أطماعه في السلطة ارتكب مئات المذابح الجماعية وسفك دماء الآلاف من الأبرياء، وزج بمئات الآلاف في سجونه ومعتقلاته بتهم سياسية ملفقة. واغتال الرئيس المنتخب وقادة أكبر حزب سياسي في البلاد "حزب الحرية والعدالة" الذارع السياسية لجماعة الإخوان المسلمين، كبرى الحركات الشعبية الإسلامية في مصر والعالم.
كما دخل السيسي في صراع مفتوح مع روابط الألتراس الرياضي سواء كانت رابطة ألتراس أهلاوي أو وايت نايتس الزملكاوي؛ حتى جرى تفكيك روابط الألتراس في اعقاب ضغوط أمنية مكثفة مورست على قادة وعناصر هذه الروابط. ونفذ العسكر مذبحتين مروعتين بحق الألتراس: الأولى مذبحة استاد بور سعيد في فبراير 2012م وتم قتل نحو 74 من مشجعي الأهلي. والثانية مذبحة استاد الدفاع الجوي في 2015م والتي قتل فيها نحو 21 من ألتراس الزمالك.
ولاحقت أجهزة السيسي الأمنية كافة الحركات الثورية سواء كانت مرجعيتها ليبرالية أو يسارية، من أمثال حركة 6 إبريل والاشتراكيين الثوريين وزجت ببعض قادتها وعناصرها في السجون، وحتى أبرز نشطاء هذه الحركات الذين أسهموا بدور ملموس مع التيار الإسلامي في فعاليات ثورة يناير أمثال أحمد ماهر وأحمد عادل وإسراء عبدالفتاح وزياد العليمي ومصطفى النجار الذي لا يعلم مكانه حتى اليوم بعد اختفائه منذ عدة سنوات. كما وضعت أجهزة السيسي ما تسمى بالأحزاب العلمانية تحت حصار مستمر بعد أن جرى تأميم العمل السياسي لحساب الأجهزة الأمنية والمطبلين للنظام، وتكميم الأفواه فلم يبق سوى صوت المنافقين للنظام.
ودخل السيسي مع الشعب المصري كله في صدام مباشر مع تخلي النظام عن واجباته الاجتماعية في دعم الطبقات الفقيرة وتعزيز مسار الرأسمالية المتوحشة بالاتفاق مع صندوق النقد الدولي في نوفمبر 2016م، ما أفضى إلى جنون في سعر صرف الدولار حتى وصل إلى 18 جنيها وهبوط قيمة الجنيه إلى أقل من النصف وارتفاع أسعار جميع السلع الغذائية والخدمات الحكومية مثل الكهرباء والمياه وتذاكر القطارات والمترو ورسوم استخراج الوثائق من الجهات الحكومية بشكل جنوني؛ أدى ذلك إلى هبوط عشرات الملايين من المصريين تحت خط الفقر الذي يصل إلى نحو 35 مليون مصر بحسب تقديرات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء بينما تصل إلى نحو 60 مليون مصر بحسب تقديرات البنك الدولي، وتصل إلى نحو 85 مليون مصري بحسب تقديرات خبراء ومحلليين في أعقاب تداعيات تفشي جائحة كورونا تعليق الكثير من النشاط الاقتصادي.
وعزز من مسار التصادم بين النظام والشعب، قرارات حكومة السيسي الجبائية وعلى رأسها ما يسمى بقانون التصالح في مخالفات البناء والذي يضع عشرات الملايين من المصريين أمام معادلة كارثية "إما الإزالة أو الإتاوة" وهي إتاوات تصل ما بين عشرات الآلاف من الجنيهات إلى ملايين الجنيهات لكل مبنى حسب موقعه ومساحته وحجمه وعدد أدواره؛ ومن أجل إرهاب الشعب نفذت أجهزة السيسي فعلا عمليات الإزالة بحق مئات المنازل بعدد من محافظات الجمهورية لإجبار الناس على دفع هذه الإتاوات الباهظة مقابل الحصول على ورقة مختومة من الحكومة تؤكد أنه جرى تقنين وضع المنزل؛ فهل يعقل أن يصل سعر هذه الورقة إلى هذه الأرقام الفلكية؟!
مستقبل فوضوي
من حيث المبدأ، فإن المصالحة بشكل عام ليست عيبا أو حراما، فكل الصراعات الدولية، والنزاعات الأهلية انتهت بمصالحات وتسويات سياسية، لكن مستقبل "المصالحة" يبقى مستبعدا في ظل الظروف الراهنة ما بقى السيسي قابضا على السلطة يعض عليها بالنواجز؛ لعدم توافر البيئة السياسية والإقليمية لتحقيق هذه المصالحة في ظل نظام تقوم شرعيته الإقليمية وضمان بقائه على رأس السلطة على أساس ضمان بقاء الانقسام الاجتماعي والزج بالإسلاميين وكل المعارضين في السجون والمعتقلات وضمان حماية مصالح الكيان الصهيوني والغرب عموما، عبر قبضة قمعية ترى في معنى التسوية والمصالحة وإنهاء الانقسام خطرا يهدد وجودها.
وستبقى مصر تنزف ما بقى السيسي على رأس السلطة يمضي من فشل إلى فشل ومن سقوط إلى سقوط؛ لكن المشكلة أن الوطن بشعبه وناسه ومقدراته بات في مهب الريح أمام حالة الإنكار التي تستحوذ على النظام العسكري.
وأمام غلق بات التداول السلمي للسلطة والتدهور الحاد في الأوضاع الاقتصادية وتوقف المساعدات الخليجية واعتماد النظام بشكل ثابت على الاقتراض وفرض المزيد من الضرائب والرسوم والإتاوات فمن المستبعد أن يتخلى النظام عن هذه السياسات الجبائية، كما أنه من المستبعد أن يتخلى النظام عن سياساته الأمنية والقمعية وبالتالي فإن تدهور الأوضاع في كافة الملفات والقطاعات مرشح للاستمرار بما يفضي إلى دخول البلاد في مرحلة من الفوضى التي لا يمكن احتوائها وسوف تستعصي على أجهزة السيسي الأمنية. وبالتالي فإن النظام سوف يتآكل ويتداعى بشكل تلقائي على وقع هذا الانهيار التدريجي.