سؤال تفرضه مستجدات “المملكة”.. لماذا لا يكون إمام المسجد الحرام من جنسية أخرى؟

- ‎فيتقارير

تعالت الأصوات المطالبة بفصل إدارة الحرمين الشريفين والمشاعر المقدسة عن الرياض، وإسنادها إلى هيئة مستقلة تعمل على تنظيم الحج والعمرة، وتحرص على أمن وسلامة الحجاج والمعتمرين، وفصل كل العوامل والخلافات السياسية.
وبرزت هذه المطالب، التي باتت تعرف بقضية "تدويل الحج"، عقب اتهام عدة دول عربية وإسلامية بتعقيد إجراءات الحجاج، ومطالبتها بعدم تسييس فريضة الحج، إضافة إلى تعالي أصوات بمقاطعة الذهاب لأداء الحج بسبب المؤاخاة بين آل سعود وكيان العدو الصهيوني.

الوجه الصهيوني
يشكل عام 1744م منعطفًا تاريخيًا في الحدود الزمنية والمكانية لشبه الجزيرة العربية بشكل عام، وما يحيط بها من دول وكيانات سياسية، ففي ذلك العام حدثت التحالفات بين محمد بن عبد الوهاب الشيخ النجدي ومحمد بن سعود أمير الدرعية، حيث تمت عملية الاتحاد والمؤازرة بين الدين والسياسة فى الجزيرة العربية ليستفيد كلاهما بحسب اهتمامه وأهدافه، فقد كان صاحب الدعوة مهتمًا بنشر فكره، أما حليفه صاحب الدرعية فهمّه يتعدى إلى الحكم وبسط السلطة على أكبر مساحة ممكنة بالمنطق الديني نفسه والعنوان الأيديولوجي المرفوع آنذاك.

وبين التوحيد الديني حسب المفهوم الوهابي والتوحيد السياسي كانت المواجهات العسكرية والدينية تندلع من حين لآخر بهدف بسط الفكر والسلطة على امتداد جزيرة العرب وتعدت الحدود في كثير من الأوقات حيث وصلت القوات النجدية أو الوهابية إلى العراق والشام، وكانت كل الغزوات والمعارك فى تلك الفترة تستحضر المبدأ والمنطلق الأيديولوجي فى كل تحركاتها بل تجعله هدفًا معلنًا وسببًا فاصلًا للحرب والسلم.

واستمر هذا التلازم بين الهدفين بقوة على مسار الحكم السعودي خلال الفترة التي استمرت حتى عام 1818، وهو العام الذي شهد سقوط الدولة السعودية الأولى بنهاية حكم الأمير عبد الله بن سعود بن عبد العزيز بن محمد بن سعود الذي أُسر من قبل قوات إبراهيم باشا بن محمد علي الذي قاد حملة الدولة العثمانية ضد الحركة الوهابية في جزيرة العرب، وانتهى بأسر الأمير عبد الله بإعدامه فى الآستانة.

واشتد غضب السعوديين والعرب والمسلمين، من جراء الانفتاح السعودي الكبير الذي شهد رفع الحظر عن دُور السينما، وصارت المقاهي تعج بالموسيقى بعد أن كانت تعتبر من الممنوعات، كما فتحت الرياض أبوابها لكثير من شركات صناعة الترفيه العالمية، واستقدام مغنين وفنانين، كان أبرزهم مغنية الراب الأمريكية "الإباحية" نيكي ميناج، التي شاركت في مهرجان موسيقي بالسعودية بالتزامن مع موسم الحج!
ولم تلق الفعاليات المختلفة التي تقام تحت رعاية آل سعود استحسان كثيرين؛ لسماحها بـ"الاختلاط" بين الجنسين، واستضافة فنانين وفنانات، وافتتاح الملاهي، ورأوا أن السعودية تواصل "انحدارها" وتخليها عن الثوابت الدينية وقيم المجتمع العربي والاسلامي.

وفي وقت سابق أثار إعلان السعودية استضافة الفنانة الإباحية "نيكي ميناج"، بالتزامن مع وصول الحجاج، غضبًا كبيرًا في أوساط السعوديين والعرب، وتساءل الناشط السعودي تركي الشلهوب باستغراب عن استضافة فنانة "إباحية" بالتزامن مع وصول الحجاج قائلًا: "أن تأتي بمغنية إباحية، لا يستطيع كثير من الغربيين مشاهدة أغانيها وسماع كلماتها بسبب الإباحية المفرطة فيها، لتغنّي بجوار الحرم المكي، بالتزامن مع بدء وصول الحجاج لأداء فريضة الحج… ماذا يُسمّى هذا؟!".
وكتبت الناشطة أميرة فؤاد في صفحتها بـ"تويتر" أن "افتتاح المغنية الإباحية نيكي ميناج لحفل غنائي في الأرض المقدسة تزامنًا مع توافد الحجيج لبدء موسم الحج هو تجرؤ سافر وفعل سفيه ممن لا يُراعي حرمات الله".

وسبق أن وقعت السعودية في مأزق كبير نتيجة استغلالها المقدسات الإسلامية لتصفية حساباتها السياسية مع خصومها، حيث عادت قضية تدويل الحج وإمكانية نزع لقب "خادم الحرمين الشريفين" عن الملك سلمان بن عبد العزيز إلى الواجهة من جديد، على خلفية مقتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي.

العدوان السعودي
وتقول مجلة "فورين بوليسي" الأمريكية إن تصرفات ولي العهد السعودي محمد بن سلمان دفعت عديدًا من المسلمين إلى مقاطعة الحج، وتطرقت في مقال للكاتب أحمد طويح، إلى "العدوان السعودي على اليمن، وما خلَّفه من ضحايا، بالإضافة إلى اعتقال عشرات من الدعاة السعوديين المعروفين، فضلًا عن المضايقات التي قد يتعرض لها بعض الحجاج بسبب مواقفهم السياسية".

وحسبما جاء في المقال فإن بن سلمان "حاول أن يقدم صورة أكثر إيجابية عن السعودية، وإخفاء سياساته الداخلية والخارجية المتهورة والعدوانية، لكن ذلك لم يكن كافيًا لإسكات المعارضين، الذين ما زالوا يتحدثون عن انتهاك حقوق الإنسان في السعودية".
وأضاف طويح في مقاله: إن "ارتفاع أعداد القتلى المدنيين؛ من جراء الغارات التي يشنها الطيران السعودي على اليمن، وقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي وتقطيع جثته على يد عناصر تابعين لمحمد بن سلمان، بمبنى القنصلية السعودية في إسطنبول، والنهج العدواني للرياض تجاه إيران، كلها أمور جعلت عديدًا من المسلمين يعيدون النظر في أداء فريضة الحج".

وأشار الكاتب إلى أن "نفوذ المملكة ليس مرتبطًا فقط بقدراتها السياسية والعسكرية، بل يرتبط أيضًا بكونها تضم مكة والمدينة، أقدس المدن الإسلامية، ومن هنا فإن نفوذ السعودية يمتد إلى ما هو أبعد من جيرانها العرب، ليصل إلى عموم العالم الإسلامي".

وكانت أكثر الأصوات ارتفاعًا للمطالبة بتدويل "الحج" جاءت بعدما عمدت السعودية إلى تعقيد إجراءات الحجاج القطريين، إضافة إلى ما تعرض له حجاج في إيران وليبيا واليمن وبعض الدول العربية والإسلامية من المنع.

الشهيد مرسي
وخلال السنوات الماضية، منعت السعودية بعض الأشخاص من أداء الفريضة نتيجة آرائهم السياسية أو الفكرية والمذهبية التي تتعارض معها، على غرار الداعية الكويتي طارق سويدان بسبب آرائه السياسية في رفضه للانقلاب على الرئيس الشهيد محمد مرسي.

من جهته قال الكاتب والباحث التركي أيوب صاغجان، إن دعوات تدويل الحرمين الشريفين في مكة المكرمة والمدينة المنورة في الحجاز ليست دعوات جديدة، بل هناك العديد من الدول الإسلامية والؤسسات الإسلامية طالبت بمثل هذه الخطوة خلال السنوات الماضية.
وأوضح صاغجان أن الهدف من هذه الدعوات هدف محق وليس فيه استعداء لأي جهة، فالحرمين الشريفين ليسا ملكا لعائلة واحدة أو دولة واحدة، بل هما ملك للعالم الإسلامي كله.

ولفت إلى أن مبررات هذه الدعوات التي تتصاعد في العديد من دول العالم الإسلامي، عديدة أهمها: السياسات التي باتت تتبعها العائلة المسيطرة على الحرمين حاليا وهي سياسات تضر بالإسلام والمسلمين والدول الإسلامية، فاليوم الأمور أصبحت واضحة أن هذه العائلة تدعم الانقلابات والتخريب والتنظيمات الإرهابية والديكتاتوريات في العالمين العربي والإسلامي.. وبالتالي كيف يثق العالم الإسلامي بقيادة هذه العائلة للحرمين الشريفين؟!
وأضاف صاغجان أن من مبررات هذه الدعوات أيضا، الصعوبات التي تفرضها العائلة المسيطرة على الحرمين حاليا، صعوبات على المسلمين الراغبين بأداء العمرة والحج، تعقيدات من كل حدب وصوب، فضلا عن تسييس الحج والعمرة ومنع الآلاف من المسلمين من أداء هذه الشعائر لأن هؤلاء المسلمين يخالفون توجهات هذه العائلة السياسية.

وسأل: هل تعرفون أن هناك الآلاف من المسلمين ممنوعون من الذهاب إلى مكة والمدينة.. هل هذه عائلة يمكن الوثوق بها لإدارة الحرمين، وأشار إلى وجود حتى فتاوى دينية في العديد من دول العالم الإسلامي تدعو المسلمين لعدم الذهاب للحج والعمرة بظل التوجهات السياسية التخريبية التي تتبعها العائلة المسيطرة على الحرمين، وهذا الأمر لا يمكن حله إلا بتدويل الحرمين.

لا نستعدي أحدا
وشرح الكاتب التركي أن تدويل الحرمين لا يعني التخلي عنهما بل يعني نقل إداراتهما لمنظمة التعاون الإسلامي التي تضم كل الدول الإسلامي، وبالتالي يتم تشكيل مؤسسة خاصة لإدارة شئون الحرمين دون تقسيم الدولة التي تسيطرة عليهما.

ولفت إلى أنه بهذه الحالة سيصبح المسلمون حول العالم أكثر اطمئنانا على حجهم وعمرتهم وأمنهم إن ذهبوا إلى هناك، وحينها لا يتم منع المسلمين من أداء الحج والعمرة لاعتبارات سياسية.
وطالب صاغجان بإضافة المسجد الأقصى المبارك في القدس المحتلة لهذا المطلب، بحيث تكون هذه المساجد الثلاثة، المسجد الحرام والمسجد النبوي والمسجد الأقصى تدار من قبل العالم الإسلامي كله عبر منظمة التعاون الإسلامي.

وختم صاغجان قائلا، نحن لا نستعدي أحدا ولكن نتكلم باسم ملايين المسلمين غير الراضين عما آلا إليه الأمور في مكة والمدينة والقدس، من تغيير للمعالم ومنع المسلمين من الذهاب لهذه المدن الثلاثة، واستخدام هذه الورقة لتصفية حسابات سياسية لا علاقة لها بالدين لا من قريب ولا من بعيد.