في ظل عدم التخصص والعنجهية العسكرية والقهر الذي يمارسه قائد الانقلاب العسكري على صانعي السياسات المدنية والوزراء والمسئولين الحكوميين، ومطالبته لهم بتقليص الدعم للمواطنين، وتعظيم الإيرادات الضريبية و الرسوم؛ زاد التدهور في الخدمات الأساسية المقدمة للمواطنين من صحة وتعليم ورعاية اجتماعية وغيرها.
وكشف تفشي وباء كورونا العجز الرهيب والانهيار الواضح في مستويات الخدمة الصحية؛ لدرجة تحول المستشفيات الحكومية لمصدر للعدوى والموت والقتل بالإهمال الطبي، فلا أدوية أو مستلزمات طبية "سرنجات، شاش، قطن.. على الأقل.
الأمر نفسه يتكرر في قطاع التعليم، الذي انهار مستواه وباتت مصر في ذيل الدول في مؤشره. وبالرغم من عدم طباعة وزارة التعليم بكومة الانقلاب كتب دراسية إلا أن المصروفات زادت بنسب كبيرة عن الأعوام الماضية.
كما يتم تحويل المدرس الذي يشرح للطلاب داخل الفصل؛ بدعوى أن المدارس للأنشطة فحسب وأن المذاكرة والدروس "أون لاين"؛ رغم أن الطلاب والمدرسين و المناهج و الإمكانات لا تسمح بذلك النوع من التعليم حتى الآن.
الغريب أنه في ظل غياب الطلاب عن المدارس وزيادة الدروس الخصوصية وارتفاع قيمتها في مقابل تضييع دور المدارس، وتردي مستوى المعلمين المادي؛ يصرح وزير التربية والتعليم بحكومة الانقلاب بأن المستقبل يحمل تطورا كبيرا في التعليم، وأن العامين المقبلين سيشهدان طفرة كبيرة في مستوى التعليم المصري.

قتل الفقراء
تضمنت موازنة العام المالي الجاري 2021/2020، تقديم دعم بنحو 53 مليون جنيه لدار الأوبرا المصرية؛ في مقابل تخصيص 20 ألف جنيه فقط للمستشفي الجامعي بمحافظة كفر الشيخ، مثلا، وهو رقم فارق يكشف اهتمام نظام الانقلاب بالمظاهر والفنون على حساب صحة وحياة المواطنين الفقراء.

كما جرى تخصيص 25 مليون جنيه من أموال الدعم لهيئة الرقابة الإدارية، بينما كان نصيب المستشفيات الجامعية بمحافظة سوهاج ، الأعلى بنسب الفقر بين المحافظات ، 40 ألف جنيه فقط.
ويحصل المجلس الأعلى للإعلام، على 123 مليون جنيه من أموال الدعم؛ فيما يتم تخصيص 3,1 مليونا فقط لمديريات الطب البيطري على مستوى الجمهورية.
كما تحصل الهيئة الوطنية للصحافة على 360 مليون جنيه من الدعم، في الوقت الذي لا تحصل مديريات الصحة في مصر إلا على 20 مليون جنيه فقط من ذلك الدعم.
ومن امثلة الخلل في الموازنة أيضا حصول صندوق دعم وتطوير الطيران المدني على أكثر من ملياري جنيه، بينما يخصص لمديريات الزراعة بجميع المحافظات 5.3 ملايين، وهو رقم كارثي لا يسمح على الإطلاق بتطوير وسائل الري أو الزراعة أو بتوفير المبيدات والأسمدة بأسعار مناسبة ما يفاقم أزمات االفلاحين الذين يشكلون أكثر من 60% من مواطني مصر ويعتمدون عليه في معيشتهم.
وفي غضون ذلك؛ لا يمكن التغاضي عن سوء إنفاق أموال الدعم بموازنة العام المالي الجاري البالغة 326 مليار جنيه، وحصول وزارات الداخلية والخارجية والتخطيط والسياحة والاتصالات والدفاع على نصيب كبير من الدعم.

كله إلا الداخلية
والغريب أنه منذ الانقلاب العسكري يرفع برلمان الانقلاب شعارا واحدا يختصر أحوال مصر وسبب تردي أوضاع المواطنين وهو: "كله إلا الداخلية"، وذلك أمام موازنات الوزارات المختلفة التي لا تأتي في نفس المرتبة من الأهمية.
فمثلا في موازنة 2017-2018، تقلصت موازنات معظم الوزارات أو بقيت على الأقل دون زيادة؛ فيما زادت موازنة وزارة الداخلية بحكومة الانقلاب بنسبة 8,2%، في حين تم إلزام باقي الوزارات بخطة التقشف.
وقال وزير التعليم العالي بحكومة الانقلاب خالد عبد الغفار أن الموازنة التقديرية للبحث العلمي للسنة المالية تبلغ ما يقرب من 3 مليارات جنيه ، وهو أقل من الاستحقاق الدستوري الذي يجب بموجبه حصول ذلك القطاع على 28 مليار جنيه وفق تقديرات العام 2017/2018.
في المقابل، حصلت وزارة داخلية الانقلاب على 41,4 مليار جنيه مقابل 38 مليارا في العام السابق، بزيادة قدرها 3,4 مليارات جنيه بنسبة 8,2%.
هذه الموازنة، تم توزيعها على النحو التالي: موازنة مصلحة الأمن والشرطة 26,2 مليار جنيه ، وموازنة ديوان عام وزارة الداخلية 9,231 مليار جنيه ، وموازنة صندوق مشروعات أراضى 3,9 مليار جنيه، وموازنة مصلحة السجون 1,347 مليار جنيه، وموازنة صندوق تطوير نظام الأحوال المدنية 640 مليون جنيه، وموازنة صندوق التصنيع والإنتاج للسجون 84,3 مليون جنيه.
وهكذا توضح الأرقام كيف يفكر النظام في الشعب الذي بات على الهامش بموازنات الدولة في ظل حكم العسكر الذي يعمل لحساب الفئة الأصغر والأغنى التي تتمتع بكافة المزايا ولا تتحمل أعباء توازي ما تحصل عليه.
وهو ما دعا مراقبين إلى الربط بينه والإقدام على الانقلاب العسكري ضد الرئيس محمد مرسي، الذي كان سيعيد توزيع الموازنات لصالح الصحة والتعليم والزراعة والبحث العلمي، وهو ما لم يعجب العسكر بالطبع.

Facebook Comments