French President Emmanuel Macron accompanies Egyptian President Abdel Fattah al-Sisi after a meeting at the Elysee Palace in Paris during his official visit to France, December 7, 2020. REUTERS/Gonzalo Fuentes

نشرت صحيفة "فورين بوليسي" تقريرا سلطت خلاله الضوء على تداعيات الربيع العربي على أوروبا، وكيف أحدث فيها تغيرات جوهرية سياسية واجتماعية وثقافية.
وبحسب التقرير الذي ترجمته "الحرية والعدالة"، فإنه بعد مرور عقد من الزمن على الربيع العربي، لم يتحسن حال الكثيرين الذين وقفوا ضد الحكام المستبدين في الشرق الأوسط وطالبوا بحياة أفضل، ولا تزال معظم البلدان التي اندلعت فيها الاحتجاجات، ثم أعمال العنف، محكومة بأنظمة استبدادية يكون القمع والفساد في ظلها أمرا روتينيا بينما استمرت المصاعب الاقتصادية بلا هوادة.
ومع ذلك، فإن أوروبا أصبحت مختلفة عما كانت عليه قبل عام 2011، ولأسباب تتعلق مباشرة بالثورات الفاشلة المجاورة، فمن ناحية، أصبحت أوروبا منقسمة، عقب تصويت المملكة المتحدة على الخروج من الاتحاد الأوروبي، في جزء منه، رد فعل على أزمة اللاجئين التي أشعلتها الانتفاضة السورية، والحرب الأهلية اللاحقة. 
وتصاعدت أصوات الأحزاب السياسية الشعبوية في جميع أنحاء أوروبا، التي تستفيد من المخاوف المتزايدة من الإسلام والتطرف، لسنوات.
لقد تغيرت السياسة الخارجية الأوروبية بالفعل بشكل ملموس، حيث تبنت البلدان على نحو متزايد الطغاة الجدد الذين ظهروا على الحدود الجنوبية للقارة، دون حتى ورقة التين من الأخلاق الليبرالية التي أثاروها ذات يوم، وخلاصة القول إن أحداث الربيع العربي لم تفشل في جعل البلدان العربية أكثر استقرارا فحسب، بل جعلت البلدان الأوروبية أقل استقرارا.
وقالت "إيما سكاي" وهي زميلة أقدم في معهد جاكسون في جامعة ييل، إن الحد من الهجرة هو المحرك الرئيسي للقرار البريطاني بمغادرة الاتحاد الأوروبي، وأشارت إلى كيف أثار الشعبويون انعدام الأمن لمصلحتهم، مضيفة "تم تصوير نايجل فاراج، زعيم حزب استقلال المملكة المتحدة اليميني المتطرف، وهو يقف أمام ملصق ضخم للاجئين السوريين على الحدود بين سلوفينيا وكرواتيا، وكان المعنى واضحا: ما لم تغادر المملكة المتحدة الاتحاد الأوروبي وتستعيد السيطرة على حدودها، فإن اللاجئين سيغرقون في بريطانيا"، كانت هناك تغطية إعلامية مستمرة للاشتباكات في "الغابة" – المخيم المؤقت في كاليه – بين الشرطة الفرنسية والمهاجرين اليائسين للوصول إلى المملكة المتحدة".

كراهية الإسلام 
إن العداء تجاه اللاجئين نابع من كراهية الإسلام المتأصلة في أذهان العديد من الأوروبيين، ومع ذلك، فإن ظهور تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق وسوريا)، وموجة الهجمات الإرهابية التي نفذها أعضاء التنظيم أو أنصاره في أوروبا، ساعدا الشعبويين بشكل أكبر، وقد أدت الهجرة إلى تفاقم المخاوف من هجمات المتطرفين وغيرت وجه السياسة الأوروبية، وربما إلى الأبد.
كما اختبر العقد الماضي قيم السياسة الخارجية التي أعلنتها أوروبا بنفسها، وهي تدعو إلى الحرية والديمقراطية ولكنها تفتقر بشكل متزايد إلى الإرادة اللازمة لتعزيزها في الخارج، إن العديد من الشباب العرب الذين تطلعوا إلى أوروبا أصيبوا بالذهول وينظرون بشكل متزايد إلى الحكومات الأوروبية على أنها تخدم مصالحها الذاتية.
يقوم العملاقان الأوروبيان في فرنسا وألمانيا بأعمال تجارية مع عبد الفتاح السيسي، قائد الانقلاب العسكري وهو مستبد حل ببساطة محل الرئيس الإسلامي الذي شكل حكومة بعد الإطاحة بالديكتاتور حسني مبارك. 
وفي وقت سابق من هذا الشهر، طرحت فرنسا سجادة حمراء للسيسي وكرمته بوسام الدولة الأعلى، "جوقة الشرف". ولم يكن للقمع الوحشي الذي يمارسه السيسي ضد المعارضة السياسية والإسلاميين والليبراليين تأثير يذكر على قرار فرنسا. ويقول ناشطون إن 60 ألف سجين سياسي يقبعون داخل سجون السيسي، والصحافة تُكمم بانتظام، وناشطو المجتمع المدني يشعرون بالرعب.
وقال جوليان بارنز دايسي، مدير برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، إن الربيع العربي يمثل فرصة لإعادة تشكيل التطورات على أرض الواقع، لكن أوروبا فشلت في تحقيق ذلك. 
وأضاف " أن التركيز الأوروبي ضاق بشكل متزايد على التحديات الأمنية وتحديات الهجرة مع انخفاض الإيمان بالنفس فى اى قدرة على دفع النظام السياسى فى المنطقة فى اتجاه أكثر ايجابية "، وبعد مرور عشر سنوات على الانتفاضات، أعاد بعض الأوروبيين الآن تبني مفهوم الاستقرار الاستبدادي، الذي يرمز إليه الاحتضان المتزايد للسيسي في مصر".
وفي ليبيا، أطاحت فرنسا وتدخل حلف شمال الأطلسي بقيادة المملكة المتحدة بمعمر القذافي، ولكن مع أن فراغ السلطة أدى إلى حرب بين مختلف أصحاب المصلحة، ما أدى إلى تحولها إلى فوضى.

خصومات إقليمية

ويعرض الصراع الآن خصومات إقليمية أوسع نطاقا بين تركيا وقطر، اللتين تدعمان الحكومة المعترف بها دوليا بدعم من الإسلاميين السياسيين أيضا، والإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، اللتين تعتبران الإسلاميين عدوهم وحفتر هو الرجل الذي يمكنه أن يخوض المعركة.

ويؤيد الأوروبيون ظاهريا عملية سلام بوساطة الأمم المتحدة، لكن بعض سياساتهم تطيل أمد الحرب الأهلية. فعلى سبيل المثال، أفادت التقارير أن ألمانيا باعت أسلحة لكلا الطرفين المتحاربين في النزاع الليبي، لكنها، مثل إيطاليا، لا تدعم سياسيا أيضاً. ومع ذلك، فإن فرنسا متهمة بتسليح قوات حفتر ضمنيا. 
يراهن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على خليفة حفتر لاحتواء المهاجرين والمتطرفين بينهم الذين يحاولون الوصول إلى أوروبا، وزعم محللون فرنسيون إن عدم الاستقرار الداخلي في فرنسا مرتبط بالتشدد الإسلامي في بعض الدول الأفريقية في حزام الصحراء والساحل الذي كان مستعمرات فرنسية سابقة.
وكانت لأوروبا علاقة تعامل مماثلة مع القذافي كما هي الآن مع السيسي وحفتر، في عام 2010، طالب القذافي الدول الأوروبية بـ 5 مليارات يورو سنويا إذا أرادت منه أن يوقف الهجرة الأفريقية غير الشرعية وأن يتجنب، كما ورد، "أوروبا السوداء"، ولكن اضطهاده أدى في نهاية المطاف إلى التمرد، والحرب الأهلية، والهجرة الجماعية إلى أوروبا.
جوست هيلترمان، مدير برنامج مجموعة الأزمات الدولية في الشرق الأوسط، قال إن أوروبا أساءت فهم طبيعة الربيع العربي منذ البداية كحركة حول الديمقراطية، "لم يكن الناس في الساحات يحرضون في المقام الأول على الديمقراطية، ولكن الأوروبيين أرادوا أن يكونوا كذلك. أراد المحتجون حكم أفضل بشكل كبير، وإذا لم يحدث ذلك، فإن الإطاحة بالأنظمة الفاسدة وغير المستجيبة. وعندما أسفرت الاحتجاجات عن نتائج عنيفة وفوضوية، أصبح الأوروبيون أكثر حذرا، وألقى باللوم على الإسلام في غياب التقدم الديمقراطي، وتشديد الرقابة على الحدود ضد اللاجئين والمهاجرين، الذين اشتبهوا في أنهم جهاديون يحاولون الوصول إلى أوروبا".
وأوضح أنه "في النهاية، أعادت الحكومات الأوروبية تبني نموذج الاستقرار (دعم الأنظمة الاستبدادية – الشيطان الذي تعرفه) الذي أدى إلى الانتفاضات الشعبية في المقام الأول".
وقال أوليفييه غيتا، رئيس شركة أمنية تقدم المشورة للحكومات في أوروبا وأفريقيا والشرق الأوسط، إن رفض أوروبا التدخل عسكريا في سوريا هو الخطيئة الأساسية التي دفعت الغربيين المسلمين إلى أحضان تنظيم الدولة الإسلامية. "كان الأساس المنطقي لإقناع الشباب الغربيين [بالانضمام إلى تنظيم الدولة الإسلامية] بسيطاً: فمن المفترض أن حكومتكم تدافع عن حقوق الإنسان، ولكن عندما يتعلق الأمر بإنقاذ أرواح المسلمين، فإنها لا تهتم، نحن بحاجة إلى مساعدتكم، وننضم إلينا". وتقول أجهزة الأمن الأوروبية لي إن مستوى التهديد اليوم أعلى مما كان عليه في ذروة تنظيم الدولة الإسلامية في عام 2015 الذي شهد الهجمات الكبرى في أوروبا".
وقال بارنز دايسي من المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية: "يبدو أن الدرس الحقيقي هو أن الإصلاح الهادف يحتاج إلى رؤية طويلة الأجل للتغيير، وهو إصلاح أكثر تركيزا على ترسيخ التحول من القاعدة إلى القمة من سحب البساط فجأة من تحت أقدام الأوامر الحالية".

رابط التقرير:
https://foreignpolicy.com/2020/12/24/the-arab-spring-changed-everything-in-europe/

Facebook Comments