"باسم عودة" أو "وزير الغلابة" كما يحلو للمصريين أن يصفوه، أستاذ هندسة تولى وزارة التموين في مصر لمدة 6 أشهر فقط خلال العام الذي أمضاه الرئيس الشهيد محمد مرسي في الحكم وحتى الانقلاب الذي قاده وزير الدفاع السفاح عبدالفتاح السيسي، وهو الآن بين جدران زنزانة معتمة ورطبة تزهق الروح.
وأورد "عودة" وزير التموين الأسبق من داخل قفص محاكمته الأسباب التي تجعل أي جنرال قادم للتدمير يستهدفه بالاعتقال، ومن بين هذه الأسباب إن الوزارة في عهده شهدت قضاء شاملا على الفساد، مشيرا إلى أنه استطاع توفير السلع الغذائية للمواطنين.
وأضاف عودة أنه استطاع توفير تمويل بقيمة مليار جنيه وأخذ موافقة من مجلس الشورى لإنشاء صوامع القمح بعدد كبير من المحافظات، كما استطاع بالتعاون مع عدد كبير من المولات توفير خصم كبير على 20 سلعة غذائية للمواطنين. مشيرا إلى أن السفاح السيسى قام بالاتصال به يوم 4 يوليو وطلب منه البقاء في حكومة ما بعد 30 يونيو إلا أنه رفض ذلك.

ثورة الكرامة
"حدثني عن وزير تهمته في بلدي أنه شريف، وزير وفر للمصريين أنبوبة بخمس جنيهات، وبطاقة للحصول عليها بسهولة، في الوقت الذي وصلت الآن إلى خمسين جنيها في السوق السودا وغير متوفرة، وتقف لأيام وقد لا تحصل عليها في نهاية المطاف"، هكذا علقت عائشة نجلة المهندس خيرت الشاطر، على نبأ اعتقال د.باسم عودة، حينئذ، الذي يشاطر والدها الزنزانة. وبعد تلك التدوينة زاد سعر أنبوبة البوتاجاز إلى 80 جنيها واعتقلت عائشة واستمر التنكيل بباسم عودة. 

وقامت ثورة يناير احتجاجا على الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية السيئة، ورفع شبابها أصواتهم بثلاثة مطالب اجتماعية ضمن شعارات الثورة، هي العيش والحرية والعدالة الاجتماعية.
وكان وزير التموين والتجارة الداخلية الحالي بحكومة الانقلاب، علي المصيلحي، أحد رموز النظام السابق، والمسؤول عن نفس الوزارة منذ نهاية 2005 تحت مسمى "وزارة التضامن الاجتماعي والتموين" وهو أحد المشاركين بسياساته في إهدار الحقوق الاجتماعية في آخر خمس سنوات من حكم الرئيس المخلوع حسني مبارك، والتي شهدت سقوط أكثر من خمسين قتيلا من المصريين في طوابير الخبز واسطوانات الغاز فترة توليه الوزارة، حتى قام المصريون بثورة شعبية عليهم جميعا.
واستمر المصيلحي وزيرا للتموين في حكومة أحمد شفيق بعد سقوط مبارك وطبق شرط الحد الأقصى على دخل طالبي البطاقة التموينية واشترط أيضا ألا يزيد عن 1500 جنيه والموظف بالمعاش 1200 جنيه، وظل هذا القرار معمولا به في حكومة عصام شرف والجنزوري طوال فترة حكم المجلس العسكري.
ومنذ تولى المصيلحي، صاحب الخلفية العسكرية، مسؤولية وزارة التموين منتصف فبراير 2018 وهو يحاول أن يثبت للسفاح السيسي أنه قادر على تمرير سياسات صندوق النقد الدولي وإلغاء الدعم الاجتماعي المقدم للمصريين، كما كان يفعل مع مبارك ونجله جمال، وكاد يتسبب في ثورة خبز جديدة بعد توليه الوزارة بثلاثة أسابيع فقط بسبب قرار أصدره يحرم بعض الفئات من دعم الخبز في مارس 2018.
وفي وقت سابق شن ناشطون بمواقع التواصل في مصر هجوما عنيفا على وزير التموين في حكومة الانقلاب علي مصيلحي، بعد انتشار كلمة من أحد المؤتمرات اعتبرت إساءة وإهانة بالغة للمواطنين المعنيين بالدعم في الدولة.

وبلغة ساخرة ظهر “المصيلحي” وهو ينتقد الحاصلين على الدعم الحكومي من المواد التموينية قائلا: ”أنا مش عايز الزيت ده.. أنا عايز زيت بيور.. سيلا مش عارف إيه.. إنت جاي تاخدلي الدعم وبتتأمر”.
لكن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد، بل لاقى مقطع الفيديو الذي ظهر فيه المصيلحي، انتشارا على على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث عبر مغردون عن غضبهم مما اعتبروه “سخرية” من الفقراء الذين يحصلون على دعم حكومي.
وعقد ناشطون مقارنة بين تصريحات وزير التموين بحكومة هشام قنديل قبل انقلاب السفاح السيسي في 2013 باسم عودة الذي كان دائما ما يؤكد أن صحة المواطن المصري أهم من أي شيء وكان يصوف بوزير الغلابة، وبين تصريحات مصيلحي التي فجرت غضب المصريين.

انتقام وحبس انفرادي
وعلى مدى 4 سنوات، لم تسمح سلطات الانقلاب بأي زيارة لوزير تموين الغلابة "باسم عودة"، بالمخالفة للقوانين واللوائح وحقوق الإنسان. وشهد 9 نوفمبر عام 2016، آخر زيارة سمحت بها سلطات الانقلاب له لتضعه بعدها في زنزانة حبس انفرادي بسجن ملحق مزرعة طره وراء باب مغلق لا ينفتح إلا للطعام.
ولم تيأس زوجة "باسم عودة"، "حنان توفيق"، من الكتابة عنه بشكل شبه يومي، عبر هاشتاجات "الحرية لباسم عودة"، و"من حق باسم عودة يشوف ولاده"، و"افتحوا الزيارة".
رغم ذلك، فإن "حنان" طيلة تلك السنوات الأربع لم تر زوجها إلا مرة واحدة قبل حوالي عام ونصف، خلال جلسة محاكمته.
وكان دفاع "عودة" قد نفى التهم الموجهة إليه في القضية المعروفة إعلاميا باسم "أحداث البحر الأعظم"، مؤكدا أنه لم يشترك في الأحداث نهائيا، وإنما تم الزج به في القضية والتنكيل به للانتقام منه سياسيا لرفضه المشاركة في أول حكومة عقب الانقلاب العسكري الذي حدث في 3 يوليو 2013.
كما دفع ببطلان اتهام موكله كذلك بإمداد المتظاهرين بالأموال وتحريضهم على التظاهر في القضية لعدم وجود أي دليل مادي أو فيديو يثبت وجوده.
وتستخدم سلطات الانقلاب الحبس الانفرادي في سجون العسكر بشكل تعسفي في حالة تأديب المسجونين الجنائيين، وبشكل منهجي للانتقام من الخصوم والمعارضين السياسيين والتنكيل بهم وعقابهم، بالمخالفة للدستور والقانون المصريين، والمعاهدات والمواثيق الدولية.
ويستمر حبس العديد من المحتجزين والمسجونين لأسباب سياسية لمدد غير محددة ولشهور طويلة، بل أحيانا ما يمتد لسنوات دون الالتفات إلى ما نص عليه الدستور والقانون بشأن تنظيم مدد الحبس الانفرادي.
وينص قانون تنظيم السجون المصري، رقم 396 لسنة 1956 في المادة (43) منه على أن "الجزاءات التي يجوز توقيعها على المسجون هي: الإنذار والحرمان من كل أو بعض الامتيازات المقررة لدرجة المسجون أو فئته لمدة لا تزيد على 30 يوما، وتأخير نقله إلى درجة أعلى من درجته في السجن لمدة لا تزيد على 6 أشهر إن كان محكوما عليه بالحبس أو بالسجن، ولمدة لا تزيد على سنة إن كان محكوما عليه بالسجن المؤبد أو بالسجن المشدد، وتنزيله إلى درجة أقل من درجته في السجن لمدة لا تزيد على 6 أشهر، إن كان محكوما عليه بالحبس أو بالسجن، ولمدة لا تزيد على سنة إن كان محكوما عليه بالسجن المؤبد أو بالسجن المشدد، والحبس الانفرادي لمدة لا تزيد على 30 يوما، ووضع المحكوم عليه بغرفة خاصة شديدة الحراسة لمدة لا تزيد على 6 أشهر، وذلك على النحو الذي تبينه اللائحة الداخلية".
وجرم القانون الدولي لحقوق الإنسان، باعتباره مرجعية في المسائل القانونية المتعلقة بتلك الأزمات الإنسانية، التعذيب في شكل الحبس الانفرادي المطول والإهمال الطبي المتعمد، وجرمته كذلك الاتفاقية الدولية لمناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة لسنة 1984 وقواعد الأمم المتحدة النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء (قواعد نيلسون مانديلا).

Facebook Comments