لا شئ أقذر من القذارة سوى فرضها على الشعوب وهو ما تقوم به صحافة الانقلاب بتكليف من مخابرات السفاح عبد الفتاح السيسي، وآخر طبعة لهذه القذارة تداول خبر في جميع مواقع الانقلاب الإخبارية يشيد ويحتفي بـ"الدياثة"، حتى أن القارئ استشعر وكأنه عاد به الزمن إلي ما قبل هزيمة 1967، وأن مدير المخابرات، في ذلك الوقت صلاح نصر، كلف "موافي" بإدارة شئون الصحافة في البلاد.
الخبر الذي جاء من قاع القذارة تداولته "أخبار اليوم" و"اليوم السابع" و"فيتو" وغيرها، حمل نفس العنوان الذي يقول "عروس تعانق حبيبها السابق أمام عيني عريسها.. شاهد ردة فعله"، وهو ما يوحي بأن مثل هذه النوعية من القذارة مطلوب تداولها في هذه المرحلة حتى تطول انتكاسة المصريين، وتصل أزماتهم إلى مرحلة "الغرغرينة" التي لا يجدي معها دواء سوى البتر.
صحافة موافي!
في عام 1967، افتضحت الممارسات غير الأخلاقية لجهاز المخابرات العامة الذي أمر الطاغية عبد الناصر بإنشائه، وفُصل الضابط محمد صفوت الشريف الشهير بـ"موافي" من العمل رفقة العديد من القيادات عقب التحقيقات في قضية "انحرافات المخابرات" عام 1968، ولم يكن عمره قد تجاوز 35 عاما.
وهي القضية التي قام جمال عبد الناصر بتقديمها للقضاء بعد الهزيمة، وأعلن يومئذ "انتهاء دولة المخابرات" وإن بدت القضية من الظاهر من الأوراق والغاطس فيها قضية حق وعدل، فإن الدوافع كانت الانتقام من حلف المشير عبد الحكيم عامر، المتهم بالتخطيط داخل الجيش للانقلاب على ناصر، ولم يكن صفوت الشريف مطلوبا لذاته، لذا فقد حفظت التحقيقات بشأنه، باعتراف مدير الجهاز صلاح نصر بأنه المسؤول عن كل الاتهامات الموجهة لقسم "السيطرة" وبإعلانه أنه من كلفهم بذلك، وعندما سئل إن كان بإمكان المتهم ومن معه في القسم، طلب اعفائهم من المسؤولية، قال إنهم لا يمكنهم ذلك!
وعلى نهج صفوت الشريف وصلاح نصر وكبيرهم عبد الناصر يتجه السفاح السيسي بمصر إلى الهاوية، وإذا أراد الأعداء والخونة هدم وطن، فما عليهم إلا تدمير القيم الأخلاقية، وتخريب الضمائر وتسليط قذارتهم عبر وسائل الإعلام المختلفة، وهو ما أكده توماس شومان، عميل جهاز المخابرات السوفيتى السابق "كى جى بى"، الذى شرح صوتا وصورة، خطوات تخريب المجتمعات. موضحا أن المجتمع المستهدف تخريبه وتدميره، حتى ولو يتمتع بديمقراطية راسخة، يبدأ الأعداء فى البحث عن عديمى الضمير والقيم الأخلاقية، ومتعددى الولاءات، وعن المجرمين البسطاء، والمختلفين سياسيا وأيديولوجيا مع الدولة، وبعض المضطربين نفسيا، المعادين لكل شىء، علاوة على مجموعة صغيرة من عملاء الدول الأجنبية، يتم تجميعهم فى بوتقة واحدة، وتحريكهم فى اتجاه واحد، وبقوة دفع واحدة، وما هو إلا وقت قليل، حتى يبدأ المجتمع فى الانزلاق التدريجى فى مستنقع الفوضى.
عندها يبدأ الأعداء فى الترتيب لبدء مراحل التخريب، وأبرزها، كما يشرح عميل المخابرات الروسى توماس شومان "مرحلة تدمير الأخلاق" بمنح الضوء الأخضر للمجموعات السابقة، للسير عكس كل القيم الأخلاقية، وانتهاك شرف المنطق والحكمة، ولا يعلو صوت فوق أصوات السفالة والشتائم البذيئة، وتخريب الذمم والضمائر.
ولن يتسنى نجاح تدمير القيم الأخلاقية، إلا بتشويه وتدمير الدين كما تفعل سينما المخابرات التي يتزعمها اللواء عباس كامل، واحياء النعرات الطائفية، وإشعال نار الفتنة بينها، ثم يتم الدفع بجماعات وتنظيمات، ترتكب من الخطايا ما يسهم بشكل فاعل فى تشويه الدين، والنفور منه، وتشويه الكيانات الدينية الراسخة، المنوطة بالدفاع عن صحيح الدين.
أيضا الدعوة لتدمير الوعى المستمد من التعليم، عن طريق التسفيه والتسخيف للعملية التعليمية كما تفعل عصابة الانقلاب الآن، ودفع الناس للانصراف عن التعلم في المجالات المفيدة مثل الرياضيات والكيمياء والفيزياء والتاريخ، إلى الدعوة لتعلم الحياة الجنسية والأبراج الفلكية، للإيمان بالغيبيات، والسحر والشعوذة واستخراج الجان، وغيرها من المجالات المدمرة للمجتمع.
أدوات التدمير
وتأسيسا على ما أبداه عميل المخابرات السوفيتى السابق من شرح عملى لتخريب وتدمير الأوطان، تجد عصابة الانقلاب بقيادة السفاح السيسي يركز على أبرز أدوات التدمير، وهى سحق القيم الأخلاقية، وتخريب الضمائر والذمم، وهما العاملان الرئيسيان اللذان تنهض على أساسهما الأمم، وتدشن الحضارات.
وبهذا، تدلل الصحافة السيساوية في مصر على انهيار أخلاقي ضخم، هذا الانهيار هو إرث لصيق بالبيروقراطية المصرية المتوسعة منذ عهد الناصرية، التي ارتبط الترقي فيها بالنفاق ومحاباة السلطة والإضرار بالمنافس داخل المنظومة، ما حول منظومة السلوكيات إلى قناعات انطلقت نحو القاعدة الأوسع للمجتمع، ووظفتها السلطة جيدا، ودعمت وجودها لتمكين نفوذها على حساب معارضيها الذين ينطلقون من قواعد مغايرة.
إن التصفيق للدم والقتل والتعذيب، ومشاركة رجال الشرطة في السحل، بل والتصفيق لمجموعات ضباط يقومون باغتصاب فتيات داخل قبو بعد اختطافهم من مظاهرة، ليست مظاهر "غضب شعبي" كما يحلو لبعض خصوم الإخوان أن يصموه، وإنما هو سقوط أخلاقي سحيق، وأزمة مجتمع فقدت بعض فئاته أبسط قواعد المروءة.
كما أن تبليغ الجار عن جاره لاعتقاله، ودعوة الأب الشرطة لسجن ابنه وتعذيبه، وإبلاغ الموظف عن زملائه الذين طالما شاركهم حلوهم ومرهم، دليل واضح على أن هناك ما تم تدميره في المجتمع، مثله مثل تدمير التعليم والاقتصاد والأمن.
وفي السياق أيضا، يجب على صحافة السفاح السيسي أن تفهم هذه الظاهرة وتستوعبها في فهم الحراك المتزايد ضد الجنرال، فما يحدث ليس ملامح ثورة، وإنما انفضاض عن عصابة تفترس الأخلاق؛ لإضرارها بالمصالح المباشرة للمواطنين الذين يرون أيضا في الثورة ضررا مباشرا لمصالحهم، والثورات تعمل جيدا في هذا المناخ وتعمل على تغذيته، حتى إذا حانت ساعة المواجهة لا تجد عصابة السفاح السيسي قطاعات تمارس بلا أخلاقية دعما واسعا لجرائمها، بل ستجد نفسها وحيدة أمام من ثار عليها.
كما أن على رافضي ومعارضي الانقلاب أن يعملوا على إعادة تمكين الخطاب الأخلاقي والقيمي في المجتمع، وبعثه مجددا، فالأنظمة الشمولية الاستبدادية تتغذى على الفساد، وتعتاش على انهيار الأخلاق الذي يحلل المجتمع إلى مكونات أولية تحكمها المصالح وليس المعاش المشترك ومنظومات القيم الموروثة والمجمع على احترامها والتحاكم لها.