في ازدواجية كاشفة لفكر الطاغية عبدالفتاح السيسي، رئيس الانقلاب العسكري، وانحيازاته ومشروعه المعادي لكل فصائل وفئات الشعب المصري، عدا شلته والمقربين منه من عصابة الانقلاب، سواء من الجيش أو الشرطة، جاءت كلمات قائد الانقلاب العسكري عبد الفتاح السيسي مؤخرا، خلال افتتاحه بعض المشاريع التي سبق افتتاحها بالقطاع الطبي، عن معاناة الأطقم الطبية، وكذا المعلمين وتدني رواتبهم، وعظم تضحياتهم، إلا أنه لا يستطيع أن يقدم لهم شيئا، سواء بزيادة رواتبهم أو تعويض أسر ضحاياهم، باعتبارهم شهداء، كما يجري مع ضحايا العمليات الأمنية من أفراد الجيش والشرطة.
وظهر المنقلب السفيه عبد الفتاح السيسي الثلاثاء متحدثا عن الأطباء ضحايا كورونا، قائلا: "دول راحوا عند ربنا ومش هنقدر نعملهم حاجة". في حين أن القانون الذي أصدره رقم ١٦ لسنة ٢٠١٨ الخاص بحق شهداء الجيش والشرطة، يمنح عائلات الضباط والعاملين الأقل رتبة كثيرا من الامتيازات. المثير للدهشة هو ظهور عقد السيسي النفسية من القامات الاجتماعية الأعلى منه، فالبتزامن مع تصريحه السالف أقر برلمانه الانقلابى "تعديلات صندوق تكريم شهداء وضحايا العمليات الحربية والإرهابية رسميا"، ويهدف مشروع القانون إلى زيادة موارد الصندوق المنشأ وفق أحكام القانون رقم 16. في الوقت الذي يشكو فيه الأطباء من نقص المستلزمات الطبية في المستشفيات، ومنع إجراء المسحات الطبية للأطباء والأطقم الطبية ما يفاقم من أزمات الأطباء.
https://twitter.com/HOSSAMSHORBAGY/status/1361627690114166784
عنصرية وتمييز
فلسفة السيسي في الحكم تمثل أبشع صور العنصرية والتمييز، وتكريس للطبقية البغيضة التي تفضي إلى تمزيق المجتمع وتمهيد الأجواء لحرب أهلية أمام تعاظم الفجوة الطبقية بين الأقلية الثرية والأغلبية الفقيرة والمعدومة. ما يقوم به السيسي هو تمييز إقصائي لكل المجتمع المصري وفئاته المطحونة رغم تدرجها الكبير في العلم والمعرفة وتقديم أدوار كبرى في تطوير المجتمع والرقي به، سواء في المستشفيات والمدارس والمعاهد العلمية والجامعات ومراكز البحوث وغيرها.
ذلك التمييز الفج لم تشهده مصر من قبل، حيث حرص كل رؤوساء مصر السابقين – حتى لو بالكلام- على تحريك الرواتب والأجور أو حتى الوعد بذلك، دون تبجح مقيت بتقديم المزايا غير المسبوقة لأفراد حماية النظام من الجيش والشرطة.
وجاءت تصريحات السيسي، في توقيت واحد مع موافقة لبرلمان الانقلاب، بصفة نهائية على تعديل بعض أحكام قانون إنشاء "صندوق تكريم ضحايا ومفقودي ومصابي العمليات الحربية والأمنية وأسرهم"، والذي يقضي باقتطاع نسبة جديدة من رواتب جميع العاملين في الدولة؛ سواء في القطاع الحكومي أو الخاص، أو البنوك، تحت ذريعة تنمية موارد الصندوق.
ونصّ التعديل على "خصم نسبة خمسة من عشرة آلاف من رواتب جميع العاملين في الجهات العامة، وهيئات القطاع العام، وشركاته، وشركات قطاع الأعمال العام؛ وما يتبع هذه الجهات والهيئات والشركات من وحدات ذات طابع خاص، والصناديق الخاصة، والعاملين لدى الشخصيات الاعتبارية الخاصة الذي تسري بشأنهم أحكام قانون العمل؛ مع استثناء العمالة غير المنتظمة أو باليومية".
كما نص على "فرض ضريبة قيمتها خمسة جنيهات على الخدمات أو المستندات التي تقدمها أو تصدرها الجهات العامة، وهيئات القطاع العام، وشركاته، وشركات قطاع الأعمال العام، والشركات المملوكة بالكامل للدولة، أو التي تساهم فيها بنسبة تزيد على 50% بناء على طلب ذوي الشأن. وتشمل هذه الضريبة تذاكر حضور المباريات الرياضية، والحفلات، والمهرجانات الغنائية، إذا كانت قيمة التذكرة تبلغ 50 جنيها فأكثر".
وتشمل الضريبة أيضا: "طلبات الالتحاق بالكليات والمعاهد العسكرية والشرطية، وكراسات الشروط للمناقصات والمزايدات، وفق أحكام قانون تنظيم التعاقدات التي تبرمها الجهات العامة، بالإضافة إلى عقود المقاولات والتوريدات؛ استنادا إلى أحكام قانون تنظيم التعاقدات التي تبرمها الجهات العامة".
كذلك تشمل: "طلبات حجز قطعة أرض أو وحدة سكنية أو إدارية من الأراضي، أو الوحدات التي تتيحها الدولة، وطلبات الاشتراك في النوادي وتذاكر الرحلات الجوية". ويؤدي كل طالب في مراحل التعليم ما قبل الجامعي مساهمة تضامنية مقدارها خمسة جنيهات سنويا، تزيد إلى عشرة جنيهات سنويا في مراحل التعليم الجامعي؛ وتؤول حصيلة هذه المساهمات إلى موارد صندوق "أسر ضحايا الجيش والشرطة".
كما نص القانون على "توفير الاشتراك والتجديد مجانا في مراكز الشباب والأندية والمنشآت الرياضية، التابعة لوزارة الشباب والرياضة، والأنشطة الرياضية المختلفة لأسر ضحايا العمليات الحربية والأمنية؛ وإتاحة الدخول المجاني لهم إلى جميع المتاحف، والمتنزهات، والحدائق، والمسارح، وقصور الثقافة التابعة للدولة".
اقتطاع من الرواتب
يُذكر أن البرلمان قد وافق على تشريع حكومي باقتطاع نسبة 1% من مجموع الرواتب والأجور الأساسية والوظيفية والشاملة لجميع العاملين في الدولة، و0.5% من رواتب أصحاب المعاشات التي تزيد على 2000 جنيه شهريا لمدة عام، بدءا من أول يوليو 2020، بحجة مواجهة بعض التداعيات الاقتصادية الناتجة عن تفشي وباء كورونا.
كما وافق على فرض رسوم على جميع العاملين في الدولة، تراوح بين خمسة وعشرة جنيهات شهريا بحسب الدرجات الوظيفية. وفرض مساهمة تكافلية قيمتها خمسة جنيهات سنويا، لكل طالب في مراحل التعليم ما قبل الجامعي، الحكومي أو الخاص، تزيد إلى عشرة جنيهات للطلاب في مراحل التعليم الجامعي، إضافة إلى رسم قيمته خمسة جنيهات على استخراج رخصة القيادة بجميع أنواعها، وتسيير المركبات بجميع أنواعها، واستخراج شهادة صحيفة الحالة الجنائية، وغيرها من الخدمات العامة الأخرى؛ لصالح تمويل الصندوق.
وبحساب متوقع لاموال صندوق ضحايا الجيش والشرطة، يقدر خبراء ماليون المبالغ المتحصلة بأكثر من 10 مليار جنيه سنويا، وهو مبلغ كبير، قد لا يصل إلى أسر الذين قتلوا في سبيل النظام، من الجيش والشرطة، وإنما يظل في إطار تصرفات السيسي، سواء لاسترضاء بعض القيادات العسكرية أو التصرف بحرية مطلقة من قبل السيسي بعيدا عن الرقابة والمحاسبية.
والغريب أن إهمال السيسي لحقوق المدنيين بات ممجوجا بين أوساط المصريين، فقبل أيام من سيل التشريعات الداعمة للعسكر الذين باتت مهامم الأساسية هي حماية نظام السيسي أمام غضب المصريين وثورتهم المتوقعة، يقابلها ازدراء من قبل النظام لمطالب آلاف الأطباء الذين يواجهون الموت والقتل في مواجهتهم لوباء كورونا، الذي قتل من الأطقم الطبية أكثر من 370، وفي إطار الضحك على الذقون، قرر نظام السيسي بدلا من اعتبارهم شهداء وتعويض أسرهم بمعاشات استثنائية، بتكريم الأطقم الطبية بوضع صور تذكارية لهم على العملات المعدنية والورقية فئة الجنيه والنصف جنيه، وهي عملات باتت بلا قيمة أصلا في مصر، ولا يكاد يتعامل بها سوى الأطفال، ما يعني ازدراء مضاعف.
وبمقارنة تصرفات وتعامل السيسي مع الأطباء والمعلمين الذين يضحون في سبيل الارتقاء بالوطن، والعساكر، يتضح البون الشاسع والعقلية الاستبدادية التي لا يهمها الشعب المصري بقدر حماية النظام والعرش حكرا على العسكر وكبار الجنرالات فقط.