تعيش الدبلوماسية المصرية حالة موات إكلينيكي، وتتمتع بذاكرة الأسماك التي تنسى سريعا، فبعد يوم من تصريحات وزير الخارجية بحكومة الانقلاب العسكري، سامح شكري، عن أن الملء الثاني لسد النهضة لن يؤثر على مصر، معتمدا على تقديرات جغرافية تتنبأ بزيادة كميات الفيضان هذا العام عما سبقه من أعوام، جاء بيان وزارة الخارجية محذرا إثيوبيا من الاستمرار في ملء سد النهضة بشكل أحادي خلال مواسم الفيضان المقبل (صيف العام الجاري)، مؤكدة التزام القاهرة بتأمين مصالح وحقوق الشعب المصري.
جاء ذلك في بيان شديد اللهجة صادر عن وزارة الخارجية ، الخميس، ردا ما ذكرته إثيوبيا حول استكمال ملء سد النهضة، حتى وإن لم تصل الدول الثلاث إلى اتفاق حول ملء وتشغيل سد النهضة. وأشار البيان إلى أن الدولة اتخذت بالفعل إجراءات احترازية للتعامل مع الملء الثاني لسد النهضة والحد من آثاره المحتملة من أجل تأمين احتياجات مصر من الموارد المائية خلال هذه الفترة. وذكر أن الإجراءات الاحترازية المصرية جاءت بالتوازي مع الاستمرار في رصد التصرفات الإثيوبية ومراقبتها عن كثب لضمان عدم الإضرار بمصالح مصر المائية أو المساس بحقوقها التي أقرتها وأكدتها القوانين والاتفاقيات والأعراف الدولية.
ووفق مراقبين، يتناقض البيان مع تصريحات لوزير الخارجية "سامح شكري"، قبل أيام أكّد خلالها أن الملء الثاني لسد النهضة الإثيوبي لن يكون مؤثرًا على المصالح المائية المصرية.
خيانة ونكبة
ولعل ما يشي بتواطؤ نظام السيسي وخيانته للمصريين، ويترافق مع تصريحات سامح شكري التي تتصادم مع كل الحقائق الجغرافية، بأن مخزون المياه أمام بحيرة السد العالي ستغطي العجز الناجم عن الملء الثاني لسد النهضة،حيث كشف عن تقرير فني عُرض على مجلس الوزراء والمخابرات العامة مؤخرا، أوضح أن جميع المؤشرات المناخية مواتية لبدء عملية الملء الثاني لسد النهضة الإثيوبي بعد فترة تتراوح بين عشرة أيام وأسبوعين فقط، مما يعني وقف عملية تصريف المياه من بحيرة السد لمجرى النيل الأزرق، والبدء في التخزين، استعدادا لتنفيذ التعلية المطلوبة في جسم السد من جهة، وحجز كمية قد تصل إلى 13 مليار متر مكعب من المياه.
وجاء في التقرير الفني أن التوقعات المناخية المستجدة عن فيضان الصيف القادم، الذي يعتبر بدأ فعليا بصورة مبكرة في شرق القارة الأفريقية هذا العام، تشير إلى زيادة كمية المياه التي ستهطل على هضبة الحبشة بنسبة تتراوح بين أربعمائة وستمائة في المائة، عن المتوسط المعتاد في نفس الفترة من العام، بما يعني أن الفيضان سيكون أكبر من فيضان العام الماضي.
وعلى الرغم مما في هذه المعلومات من عناصر طمأنة للجانب المصري، خاصة وزارة الموارد المائية والري، على عدم وقوع ضرر كبير في كميات المياه التي ستتدفق إلى مصر، وعدم قدرة إثيوبيا على المناورة بصورة مضرة لدولتي المصب، وكذلك عدم قدرتها على التلاعب في كميات المياه المحتجزة خاصة إذا اكتملت قدرتها على حجز المياه مبكرا عن الموعد الذي حددته سلفا بنهاية يوليو الماضي، إلا أن هذه المؤشرات ربما تمكن إثيوبيا للمرة الثانية على التوالي من الملء دون الاضطرار لتوقيع اتفاق على قواعد الملء والتشغيل، سواء كان مؤقتا أو دائما وشاملا، الأمر الذي قد يؤدي لتأجيل عملية التفاوض لفترة أطول.
وفي حالة تمكن إثيوبيا من الملء الثاني المبكر، قياسا حتى بموعد الملء الأول العام الماضي، فلن تكون الأطراف الثلاثة في حاجة إلى توقيع اتفاق مؤقت بشأن العملية الحالية، مما سيمنح إثيوبيا وقتا أطول للمناورة قبل الموافقة على استئناف التفاوض من جديد.
إجراءات إثيوبية
وتحاول وزارة الري الإثيوبية حاليا جاهدة بمساعدة الشركة الإيطالية المختصة في أعمال التخطيط والإنشاءات إتمام عملية صب المنطقة المطلوب تأمينها في القطاع الأوسط من السد، لاحتواء كامل كمية المياه المستهدف حجزها في الفيضان القادم، حيث كان من المتوقع أن يتم إنهاء هذه العملية خلال الشهر الجاري، لكن أصبح من الضروري الآن إتمامها سريعا.
وبالتزامن مع هذه العملية سوف يتوجب على الإثيوبيين ترك الفتحات السفلية والوسطى في السد مفتوحة يوميا لتصريف المياه، مما سيترتب عليه زيادة الضخ في وادي النيل وتحسن المعدلات من سد الروصيرص إلى السد العالي، الأمر الذي قد يكون بمثابة "طوق نجاة" لمنع أي توترات في إدارة المياه بمصر أو أضرار أو انخفاض في منسوب النيل خلال فترة الملء الثاني.
ويرى عبد الناصر سلامة، رئيس تحرير الأهرام الأسبق، أن التصريحات الأخيرة لوزير الخارجية بشأن سد النهضة، وصمت السيسى منذ أن تحدث عن الخط الأحمر، والحالة على أرض الواقع ممثلة في الإصرار الإثيوبي على تنفيذ المخطط الإسرائيلي، وكشف أمريكا عن وجهها القبيح بالانحياز إلى المؤامرة واضحة المعالم، والإعلان عن مزيد من الدعم الإماراتي لإثيوبيا في صورة أموال واستثمارات.. كل ذلك يدعونا إلى تساؤلات عديدة. وأضاف سلامة أن المؤكد أن حسابات النظام في مصر ليست موفقة أبدا، إذا توهم أن هذه القضية يمكن أن تمر مرور الكرام كما حدث مع التنازل عن تيران وصنافير، أو حقول غاز المتوسط، مشيرا إلى أننا أمام قصة مختلفة، قضية حياة أو موت لا حل لها فيما بعد، قضية نكون أولا نكون، قضية خيانة عظمى متكاملة الأركان إذا استمر الحال على هذا المنوال.