الموقف المصري من غزة.. استدراك للأخطاء أم فخ للمقاومة؟

- ‎فيتقارير

أنهى اللواء عباس كامل، رئيس جهاز المخابرات العامة بنظام الانقلاب بمصر، جولته إلى كل من  القدس ورام الله وغزة، بعد أن التقى رئيس حكومة الاحتلال المنتهية ولايته بنيامين نتنياهو وقادة الأجهزة الإسرائيلية، كما التقى برئيس السلطة محمود عباس أبو مازن ولفيف من قادة السلطة، وفي غزة التقى برئيس حركة المقاومة الفلسطينية في غزة يحيى السنوار ولفيف من أعضاء المكتب السياسي للحركة وحركات المقاومة الأخرى.

تأتي هذه الزيارة بعدما حقق النظام العسكري في مصر الذي اغتصب الحكم بانقلاب عسكري في يوليو 2013م عدة مكاسب هائلة من العدوان الإسرائيلي الأخيرة على غزة والذي تمكنت فيه المقاومة الفلسطينية بقيادة حركة المقاومة الإسلامية حماس من إلحاق هزيمة مدوية لجيش  الاحتلال الإسرائيلي.

أهم هذه المكاسب أن العزلة الأمريكية على  نظام الطاغية عبدالفتاح السيسي قد توقفت؛ وحظي الجنرال أخيرا باهتمام أمريكي مشفوعا بثناء واسع على الموقف المصري خلال العدوان وصولا إلى الوساطة في وقف إطلاق النار بين الاحتلال والمقاومة. ومنذ بدء العدوان في 10 مايو حتى وقف إطلاق النار في 21 من الشهر نفسه تلقى السيسي اتصالين هاتفيين من الرئيس الأمريكي جوبايدن رغم أن الأخير تجاهل السيسي منذ فوزه بانتخابات الرئاسة الأميركية في نوفمبر 2020م.

العدوان الأخير على غزة أعاد للدور المصري اعتباره بعد أن فقد قيمته ومكانته لحساب قطر وتركيا من جهة أو الإمارات والسعودية من  جهة أخرى، والسبب في ذلك هو سطوة الجغرافيا التي جعلت حدود مصر مع غزة هي المنفذ البري الوحيد للقطاع المحاصر بخلاف المنافذ مع الاحتلال. نعم اكتسب الدور المصري مكانته بسبب الجغرافيا ولو لم يكن للقطاع حدود مع مصر لما كان لنظام السيسي أي دور في هذا الملف الخطير والحساس. سطوة الجغرافيا التي يستفيد منها نظام السيسي في ملف غزة وتدفع الدور المصري نحو الصدارة في القضية الفلسطينية هي أيضا التي تجعل من إثيوبيا خنجرا مسموما في ظهر مصر؛ فسطوة الجغرافيا جعلت لأديس أبابا أهمية كبرى لمصر باعتبارها الدولة التي تحتضن منابع النيل وبها بحيرة تانا التي تمد النيل الأزرق بالمياه، وسطوة الجغرافيا هي التي تدفع إثيوبيا نحو التحكم في مياه النيل وتحويلها إلى سلع يمكن أن تباع لدولتي المصب بما يحقق مكاسب هائلة لأديس أبابا رغم أن ذلك يخالف قوانين الأنهار الدولية العابرة للحدود، لكن السيسي قد منحهم شرعية بناء السد بعد توقيع اتفاق المبادئ بالخرطوم في مارس 2015م.

 

استدراك للأخطاء

أحد التفسيرات للتحولات التي يشهدها الموقف المصري تجاه المقاومة الفلسطينية في غزة مقارنة بموقف نظام السيسي في حرب 2014م، أن تقديرات الأجهزة المخابراتية والأمنية داخل النظام انتهت إلى أن موقف النظام في 2014م تسبب في خسائر كبيرة لنظام السيسي؛ لأن الانحياز للاحتلال على حساب غزة لا يخالف القانون الدولي الذي يمنح البلاد المحتلة حق مقاومة الاحتلال بكل الوسائل، ولكنه أيضا يتصادم مع الرأي العام المصري المعادي لإسرائيل باعتباره كيان احتلالي، كما أن موقف نظام السيسي في 2014 ينافي أي منطق أخلاقي أو إنساني، ما تسبب في تآكل شعبية النظام.

يذهب تفسير آخر  إلى أن التحولات التي يشهدها الموقف الموقف هي بمثابة استدراك للمواقف الخاطئة التي تبناها النظام في سنوات ما بعد انقلاب 2013م، والتي شوهت الموقف المصري، وقد تكون هذه التحولات بمثابة رد فعل على الاستعلاء الإسرائيلي الإماراتي على مصر الفقيرة، فقط تلقى نظام السيسي عدة صفقات إسرائيلية إماراتية دفعته دفعا نحو إعادة تفكيك المشهد وتحليله وتركيبه من جديد بما يحقق مصالح النظام. فقد أقصت تل أبيب نظام السيسي من تحالف شرق المتوسط ورغم أنها عضو فعال في تحالف شرق المتوسط الذي دشنته القاهرة في 2018م، لكن إسرائيل دشنت تحالفا آخر مع اليونان وقبرص تحت مسمى تحالف "إيست ميد" الذي يستهدف مد  الغاز من تل أبيب مباشرة إلى قبرص ومنها إلى أوروبا وهو ما يطعن السيسي طعنة غادرة؛ ذلك أنه يقصي مصر التي كان يتوهم السيسي أنها سوف تصبح مركزا إقليميا للطاقة. كما أن تل أبيب تعد أحد كبار القوى الإقليمية التي تحرض إثيوبيا على استكمال بناء سد النهضة وتتعاون معها في هذا الشأن بكل فجور وسفور ، وهي من أمدت حكومة أديس أبابا بمنظومات صواريخ دفاع جوي لحماية السد ضد أي هجوم مصري محتمل رغم أن ذلك يضر بالأمن القومي المصري بشكل بالغ. إضافة إلى ذلك فإن تل أبيب تبحث حفر قناة جديدة موازية لقناة السويس من إيلات إلى حيفا وهو ما يهدد الأمن القومي المصري في الصميم ويمثل انتزاعا لدور مصر الدولي والإقليمي.

 

قد يكون فخا!

وبحسب دراسة أعدها موقع "الشارع السياسي" تحت عنوان « زيارة عباس كامل لغزة.. كيف تنجو المقاومة من شرك الفخاخ المنصوبة؟»، فإن هناك تفسيرا ثالثا يرى أن تحولات الموقف المصري من غزة من العداء الفاجر إلى الدعم السافر بأنه دور مرسوم بإحكام تشرف عليه المخابرات الإسرائيلية تحت إشراف أميركي وبدعم مما يسمى بمحور الاعتدال العربي الموالي لإسرائيل. الهدف منه تعزيز الوجود المصري في غزة حتى تكون صاحبة القول الفصل والوكيل الحصري الوحيد عن القطاع وعلاقته بالاحتلال؛ الأمر الذي يُمكن الطرف المصري من إضعاف التأثير التركي القطري، ويزيد من أسهم القاهرة في غزة ولدى حركات المقاومة،  وبذلك يمكن أن يخدم الدور المصري  الأجندة الأميركية والإسرائيلية بصورة أكبر وأكثر إفادة لتل أبيب وضمان أمن الاحتلال واستقراره.

إذا، على المقاومة، بحسب الدراسة، أن تتعامل مع الدور المصري بحذر شديد؛ فسوابق هذا النظام تجعل موقفه غير بريء؛ فهو من شدد الحصار على غزة والمقاومة، وهدم الأنفاق التي كانت تمد القطاع بما يحتاج إليه من سلع وغيره، وكانت تمد المقاومة بأنواع مختلفة من الأسلحة، وفي سبيل التزلف من الأمريكان والاحتلال أزال السيسي مدينة رفح المصرية كاملة ودمر آلاف المنازل ومزارع الزيتون وهدم عشرت المساجد ليبرهن للاحتلال الذي ساعده في اغتصاب حكم مصر أنه رجل إسرائيل في مصر والمنطقة.

كما أن نظام السيسي نفسه هو من شن حملة شيطنة ضد المقاومة في أعقاب انقلاب 3 يوليو 2013م حتى سنوات قليلة مضت. وهو ما سمح لطيران الاحتلال في أعقاب الانقلاب وحتى اليوم بالتحليق فوق سماء سيناء بدعوى الحرب على الإرهاب من أجل إجهاض كل مسارات التهريب التي كانت تمد المقاومة بالسلاح. ويكفي أن هذا النظام حقق للعدو أكثر أحلامه وأمانيه وهو الانقلاب العسكري الذي قضى على أي أمل في مصر ديمقراطية وحرة ومستقلة في قرارها السياسي والسيادي على حد سواء. والموقف الذي ينبني على مصالح قد يتغير بين عشية أو ضحاها إذا تغيرت الموازنين وتناقضت المصالح بعكس المواقف الأخلاقية التي تتسم بالمصداقية والدوام.

وبحسب الدراسة فإن ما يعزز من ترجيح التفسير الثالث أن نظام السيسي عمل على توظيف موقفه سياسيا من القضية الفلسطينية وغزة، وأطلقت عليه الآلة الإعلامية للنظام «الموقف التاريخي»، باعتباره أكبر داعم لفلسطين والمقاومة، وماكان للسيسي أن يجرؤ على هذا التحول إلا بضوء أخضر إسرائيلي إماراتي، لأنه يعلم ما يمكن أن تفعله تل أبيب وأبو ظبي نظرا لنفوذهما الواسع في القاهرة.

من جهة ثانية أن هذا الدور الذي يسوق النظام أنه  تاريخي في دعم فلسطين والمقاومة لم يتعرض لأي إنكار أو إدانة من جانب الاحتلال، بل على العكس لاقى موقف نظام السيسي من الحرب الأخيرة ثناء كبيرا من جانب حكومة الاحتلال وجميع المستويات السياسية والإعلامية في تل أبيب. وبحسب الباحث والمحلل السياسي المتخصص في الشأن الإسرائيلي الدكتور صالح النعامي فإن المستويات السياسية والعسكرية والإعلامية في دولة الاحتلال الإسرائيلي أجمعت على الإشادة بدور مصر، مبرزة كيف استفادت منه تل أبيب في خضم التصعيد الذي شهدته الأراضي الفلسطينية المحتلة والعدوان الإسرائيلي على قطاع غزة. وقد حرص نتنياهو على توجيه الشكر للسيسي، لدور بلاده في قيادة جهود الوساطة التي أفضت إلى وقف إطلاق نار فجر الجمعة بعد 11 يوما من العدوان، وكشفت وسائل الإعلام العبرية أن المخابرات المصرية لعبت دورا مهما في تقليص المخاطر التي تعرض لها العمق الإسرائيلي أثناء الحرب عبر الضغط على حركات المقاومة في غزة لعدم إطلاق الصواريخ في أكثر من محطة من محطات الحرب. وذكرت صحيفة "يسرائيل هيوم"، أوسع الصحف الإسرائيلية انتشارا والمقربة من نتنياهو، أن مصر ممثلة بأحمد عبد الخالق، مسؤول الملف الفلسطيني في جهاز المخابرات العامة المصرية، تعهدت لإسرائيل يوم الخميس 20 مايو ليس فقط بأن تلتزم المقاومة الفلسطينية بالموعد المحدد لوقف إطلاق النار في الثانية من فجر الجمعة، بل أكدت لتل أبيب أنها ستقنع المقاومة بعدم إطلاق الدفعة الأخيرة "التقليدية" من الصواريخ التي كانت المقاومة عادة ما تنهي بها الحروب وجولات التصعيد مع الاحتلال. ونقلت الصحيفة عن مصادر في شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية "أمان" قولها إن مسار الحرب دل على أنه لا يوجد بديل عن الوساطة المصرية في الحروب والمواجهات مع حركة "حماس". وحسب "أمان" فإن إسرائيل لا يمكنها الاستغناء عن الدور المصري، لا سيما في كل ما يتعلق بالعلاقة مع قطاع غزة والمواجهات مع "حماس".

وقد وردت بوادر تحفظ من المقاومة من مشاركة شركات مصرية في إعادة الإعمار المرتقب؛ قد يكون ذلك نابعا من مخاوف من تردد كثيف لعناصر المخابرات المصرية على غزة بدعوى المشاركة في إعادة الإعمار بما يمكن هذه العناصر من التجسس على بنية المقاومة وخططها؛ وبالتالي ما عجزت عنه مخابرات الاحتلال في "سيف القدس" قد تحصل عليه من حليف وثيق كنظام السيسي.