تقدم رواية «1984» للروائي البريطاني جورج أورويل صورة لمجتمع العاصمة الإدارية الجديدة الذي أوشك على الإنتهاء منه السفاح عبد الفتاح السيسي، مجتمع فاسد تتحكم فيه الأيديولوجيا العسكرية، ويلغى فيه العقل، بينما خارج أسوار العاصمة وفي عموم مصر يجرد الإنسان من كل ما هو إنساني، نتيجة الخوف والقهر والتعذيب، الرواية نبوءة مستقبلية لما يؤول إليه بلد عندما تستولي على الحكم أقلية طاغية مستبدة، فتسلب حرية الإنسان، وتفضح خصوصياته، ويصبح محاصرا بوسائل المراقبة والرصد.
واختار السفاح السيسي إطلاق اسم "مدينة العدالة" على مجمع كبير مزمع إنشاؤه بالعاصمة الإدارية، يضم كل جهة وهيئة قضائية بالإضافة إلى وزارة العدل، وهو يستعير الاسم من ذات الرواية 1984، والتي يقسم جورج أورويل فيها أجهزة الديكتاتور أو "الأخ الأكبر" من أربع وزارات تتقاسم في ما بينها تسيير شؤون الشعب، وهي وزارة الحقيقة، التي تهتم بالأخبار والتعليم، ولكنها في حقيقة الأمر تشوه الحقائق وتنسج الأكاذيب، الثانية وزارة السلام التي تهتم بشؤون الحرب والأسلحة، أما وزارة الحب، المرعبة حقا، فهي تعمل على نشر الكراهية، في حين تسعى وزارة الوفرة إلى تحجيم الموارد وتجويع الشعب!
مدينة الظلم..!
وعقد المجلس الأعلى للهيئات القضائية اجتماعا مؤخرا برئاسة السفاح السيسي، ضم أذرع العسكر القضائية وهم وزير العدل، ورئيس المحكمة الدستورية العليا، ورئيس مجلس القضاء الأعلى، ورئيس مجلس الدولـة، ورئيس محكمة استئناف القاهرة، والنائب العام، ورئيس هيئة قضايا الدولة، ورئيس هيئة النيابة الإدارية، وبحضور الأمين العام للمجلس.
وصدرت عنه قرارات منها :
– بدء عمل العنصر النسائي في مجلس الدولة والنيابة العامة اعتبارا من ٢٠٢١/١٠/١.
– اعتبار يوم الأول من أكتوبر من كل عام يومًا للقضاء المصري.
– توحيد المستحقات المالية بين الدرجات المناظرة في الجهات والهيئات القضائية الأربعة (القضاء – مجلس الدولة –النيابة الإدارية – قضايا الدولة).
– عدم تكرار أسماء المقبولين للتعيين في الجهات والهيئات القضائية اعتبارًا من خريجي دفعة عام 2018 بالنسبة لمجلس الدولة والنيابة العامة، ومن خريجي دفعة 2013 بالنسبة لهيئة النيابة الإدارية وهيئة قضايا الدولة.
– إمداد هيئة قضايا الدولة بأسباب عدم قبول طالب التعيين في الوظائف القضائية لتقديمها إلى جهة القضاء في الدعاوى المنظورة.
– عدم تكرار ندب العضو القضائي الواحد في أكثر من جهة – عدا وزارة العدل – مع وضع سقف زمني لمدة الندب.
– الموافقة على إنشاء مدينة العدالة بالعاصمة الإدارية، وعلى كل جهة وهيئة قضائية موافاة وزارة العدل بطلباتها.
ومنذ ظهور تسريب لأعضاء المجلس العسكري وهو يتشاورون في تدبير أمر اعتقال الرئيس الشهيد محمد مرسي واحتجازه بصورة تبدو قانونية، عقب الانقلاب العسكري في الثالث من يوليو عام 2013 من خلال إنشاء سجن خاص له في قاعدة بحرية، حتى لا يطعن أحد ويتهم سلطات الانقلاب باختطافه، بالإضافة لاتهامه في العديد من القضايا الملفقة، حتى لا يتم إخلاء سبيله بأي حال من الأحوال.
هذه الترتيبات في حينها تُظهر نية عصابة الانقلاب في استخدام القضاء للتخلص من شبح الرئيس الشهيد الذي يطاردها، إذ يرى السفاح السيسي وحاشيته أن بقاء ذكر محمد مرسي حتى ولو من خلف القضبان، كفيل بعدم طي صفحته، خاصةً وأن للرئيس الشهيد مؤيدين حتى الآن يطالبون بفتح التحقيق في أسباب اغتياله.
5 قضايا للرئيس الشهيد
عقب الغدر بالرئيس الشهيد مرسي وتنحيته بالقوة من منصبه، سارع العسكر لاتهام الرئيس الشهيد في 5 قضايا، أبرزهم قضية أحداث الاتحادية التي أُعيد فتحها بعد الانقلاب واتهم فيها الرئيس الشهيد مرسي فقط دون إحالة أحد من المعارضة المحرضة للأحداث، ودون أن تنظر المحكمة إلى 8 قتلى ينتمون إلى تيار الرئيس الشهيد قتلوا في نفس الأحداث، فقد رفضت المحكمة إدراج هؤلاء القتلى في القضايا، أو استدعاء شهود نفي، وتم تحميل الرئيس الشهيد وبضع من مساعديه القضية كاملةً، وتم الحكم عليه فيها بعشرين سنة مشددة في 21 إبريل 2015.
يبدو أن هذا الحكم لم يكن كافيا لدى عصابة الانقلاب لإغلاق صفحة الرئيس الشهيد مرسي للأبد ووضعه في السجن ليقضي 20 عاما، فما أوقفت محاكمته إلا باغتياله وموته اثناء محاكماته الأخرى في قضايا اتهم فيها بالتخابر مع دولة قطر، والأخرى إهانة القضاء المصري.
وعمل الذراع القضائي للانقلاب لتصفية الرئيس الشهيد، قبل موته، بأدوات قضائية يقضي عليه بالإعدام في قضيتين، قضية اقتحام السجون المعروفة باسم "وادي النطرون"، والقضية الأخرى التخابر مع حركة المقاومة الإسلامية حماس، ليحكم بالإعدام على الرئيس الشهيد مرسي وعلى 106 من قيادات الإخوان في قضية وادي النطرون، و15 آخرين في قضية التخابر مع حركة حماس.
واليوم عادت العلاقات مع دولة قطر وجاء وزير خارجيتها لزيارة القاهرة، وتم اخذ الصور التذكارية مع خادم العسكر في وزارة الخارجية سامح شكري، بعدها طار اللواء عباس كامل ذراع السفاح السيسي في جهاز المخابرات إلى غزة، والتقى بالسيد يحي السنوار رئيس حركة حماس مندوبا عن إسرائيل لتثبيت قرار الهدنة ووقف صواريخ المقاومة وحماية تل أبيب.
تقول الناشطة سمر محمود: "لعلهم يدركون الآن أنك مظلوم، فلم يبق شيء اتهموك به إلا فعلوه، رحمك الله يا دكتور مرسي.. كنت تسابق الزمن لتجعلنا أمة ذات قيمة، فلم يتركوك حتى سجنوك وقتلوك".
قضايا ملفقة
قضية التخابر مع حماس وفقا لمحاضر التحقيقات فإنها تتهم الرئيس الشهيد ومن معه بتهمة التخابر منذ عام 2005 إلى عام 2012 بأدلة ساقتها تحريات لأمن الدولة فقط، هذا وتناست المحكمة أن الرئيس الشهيد محمد مرسي كان مرشحا للرئاسة في 2012 وأن أوراق ترشح الرجل كانت خالية تماما من أي تهمة جنائية، ولم يكن مطلوبا على ذمة أي قضايا، فكيف قبلت لجنة الانتخابات أو سمحت الجهات السيادية في مصر بترشح شخص متهم بالتخابر لدى جهة أجنبية، بل لم يكتف الرئيس الشهيد بالترشح فقد وصل بالفعل للمنصب الأول في مصر تحت مرأى ومسمع من الجميع.
كذلك نفس الأمر مع قضية وادي النطرون واقتحام السجون، كيف لم تظهر أدلة إدانته إلا بعد الإطاحة به من الرئاسة عبر الانقلاب العسكري، والقضية في أدراج المحاكم بالفعل منذ 2011، أي أن استدعاء الرئيس الشهيد مرسي في هذه القضايا مثير للسخرية من رداءة أسلوب العسكر في تلفيق القضايا واستخدام ذراع القضاء الفاسد الظالم.
ومن العاصمة الإدارية التي بناها السفاح السيسي، حيث ترقد مدينة الظلم التي خرجت من بطن رواية 1984، يتضح أن إجبار الإنسان يعيش في أجواء الخوف هو أعظم تهديد يواجهه، ومع مرور الوقت، سيؤدي إلى نزع إنسانيته وتدمير ذاته، آثاره لا تتوقف على الفرد فقط، بل ستمتد إلى المجتمع كله، بحيث تنعدم الثقة، ويسود القلق، ويعم الشك، وبالتالي، سيضعف المجتمع، وستتقوض فرص العيش المشترك، ويصبح المجتمع الواحد عبارة عن أفراد عديدين لا يربطهم رابط، ولا يجمعهم جامع، مما يؤدي في النهاية إلى انهياره وسقوطه.