"استهدوا بالله يا عصابة.. ده انتوا واكلين قاتلين سارقين مع بعض"، ربما تكون تلك السخرية التي وردت في الفيلم الكوميدي "الناظر" هي المدخل لتفسير ما جرى لرجل الأعمال حسن راتب صاحب الإمبراطورية المالية الكبيرة، والذي استطاع أن يلعب سياسة مع عصابات العسكر المتعاقبة، وكان عليه أن يمشي على الحبل من أجل إحداث توازنات لكي يرضى عنه العسكر، منذ عهد المخلوع مبارك وحتى الانقلاب الحالي.
ويرى مراقبون أن معرفة "راتب" الوثيقة بالشيخ الشعراوي، رحمه الله، أفادته كثيرا، وجعلته موضع ثقة من قِبَل عصابة الانقلاب الحالي، وقد حاول جاهدا إبعاد تهمة "التأسلم" عنه حتى لا يُوضع في صف الإسلاميين، ولكن هذا الانقلاب لا يُبقى ولا يذر وليس له "حبايب" إلا من يطيعونه طاعة عمياء، ويؤدون ما يُطلب منهم دون أن ينبسوا ببنت شفة.
أضف إلى ذلك بدء الملء الثاني لسد الدمار الشامل الإثيوبي، وضرورة تفعيل لعبة بُص العصفورة؛ لصرف النظر عن الأمور الجسيمة.
"جهينة" و"النور"
دأب العسكر على اعتقال رجال الأعمال مؤخرا؛ لابتزازهم ماليا على غرار مالك شركة "جهينة" الشهيرة، صفوان ثابت، وصاحب محلات "التوحيد والنور" المنتشرة في مصر، سيد السويركي.
وألقت عصابة الانقلاب، القبض على رجل الأعمال النافذ حسن راتب، بعدما كشفت تحقيقات النيابة مع نائب البرلمان السابق علاء حسانين، أن راتب متهم بتمويل الأخير ماديا في عمليات التنقيب عن الآثار.
وحسب ما برز من ملفات العسكر، فإن راتب موّل عصابة حسانين للتنقيب عن الآثار بملايين الجنيهات، وهو ما أكدته اعترافات شقيق حسانين، والذي قرر قاضي المعارضات بمحكمة جنوب القاهرة تجديد حبسه، وثلاثة آخرين، لمدة 15 يوما على ذمة التحقيقات.
و"راتب" رجل أعمال مُقرب من السفاح السيسي، ويمتلك قناة "المحور" الفضائية، ومشروعات عديدة في محافظة شمال سيناء، ويُعتبر من أكبر رجال الأعمال المعروفين بقربهم من العسكر في عهد المخلوع مبارك، ومن القلائل الذين سمح لهم العسكر بإقامة مشروعات كبرى في سيناء أهمها مصنع إسمنت سيناء، وجامعة سيناء، بخلاف استثمارات محلية ضخمة أخرى.
وقامت سلطات الانقلاب بالاستيلاء على مجموعة قنوات المحور المملوكة لراتب، وتعيين إدارة جديدة لها، قبل الإعلان لاحقا عن بيعها لشخصيات خادمة للعسكر والمخابرات.
وما جرى مع قناة "المحور" هو "استيلاء" لا "استحواذ"، خاصة أن سلطات الانقلاب تشتبه في ولاء "راتب" وفي نشاطاته المختلفة، ولم تحدد المصادر طبيعة هذا الاشتباه وتلك الأنشطة المشبوهة.
الريتز كارلتون..!
وعلى غرار عملية حبس مليارديرات وأمراء آل سعود ومساومتهم في فندق الريتز كارلتون، جاء قرار القبض على "راتب" بعد موافقة السفاح السيسي، واقتياده إلى السجن، واتهامه بتمويل عمليات التنقيب عن الآثار، على الرغم من أن التنقيب عن الآثار والاتجار بها وتهريبها حِكْرٌ على المسؤولين ورجال الأعمال ونواب البرلمان والجهات السيادية لصالح جنرالات الجيش الكبار منذ عقود طويلة.
وأكدت المصادر أن "السيسي اتخذ القرار بعد تقارير مخابراتية من ذراعه اليمنى، مدير جهاز المخابرات العامة اللواء عباس كامل، ومدير مكتبه، ومحمود نجل السيسي، وكيل الجهاز".
وبحسب المصادر، فإن تهمة التنقيب عن الآثار شماعة للزجّ براتب في السجن؛ تمهيدا للاستيلاء على جزء من ثروته، والتفاوض بشأنها، ومساومته تحت ضغط الحبس، أو حتى مصادرتها، وأكدت أن راتب في ورطة كبيرة وصعبة ومُحْكَمَةُ الإغلاق.
"راتب" ليس الأول في سلسلة رجال الأعمال المستهدفين، بغض النظر عن الأسباب، ولن يكون الأخير؛ فقد سبقه صلاح دياب وصفوان ثابت وسيد السويركي، وآخرون أذعنوا طوعا أو كراهية لمطالب السفاح السيسي بالتبرع السخي، أو رد الكثير من أموالهم بأحكام قضائية وتسويات؛ تجنبا للحبس، أو حتى مشاركتهم في شركاتهم وأعمالهم.