فى أشباه الدول تضيع الحقائق، ويصير الجانى مجنيًّا عليه، مثلما صارت الغانية أمًّا مثالية. أقول هذا بمناسبة غض الطرف عمن باعوا النهر ثم يتهمون الآن الطرف الإثيوبى بحجز المياه والتعدى على «حصتنا التاريخية». والحقيقة أن حكام إثيوبيا فعلوا مثلما يفعل أى حاكم وطنى يريد النهوض ببلده؛ حيث إن بناء السد يتيح لهم تنمية وتقدمًا فى مجالات شتى، وقد بنوه بشكل قانونى وبموافقة دولتى المصب..
فى السطور التالية يتضح لك، من خلال قراءة تاريخية موجزة، من باع النيل للإثيوبيين..

فى عام 1929 وقعت مصر ودول الحوض السبع اتفاقية، حصلنا بمقتضاها على نصيب الأسد من مياه النهر، إضافة إلى حقنا فى الاعتراض على أى مشروع تنوى إحدى دول الحوض إقامته على النيل ويحتمل ضرره بأمن مصر المائى. وفى عام 1959 تم إبرام اتفاقية أخرى بشأن حصة مصر والسودان، وحددت الاتفاقية لأول مرة كمية المياه المستحقة سنويًّا لمصر بـ(55.5 مليار متر مكعب)، (18.5 مليار متر مكعب) للسودان.

وقد أدى تراجع الدور المصرى فى السياسة الخارجية، وضعف أدائها فى المنطقة، فضلًا عن (لامبالاة) نظام المخلوع (مبارك) بتلك الأمور -إلى تغلغل النفوذ الصهيونى والأمريكى فى منطقة القرن الإفريقى؛ إذ هبطت المعونات على شعوب دول الحوض، ما جعلها تقتفى أثر الداعم؛ ليتم فى 14 من مايو 2010 توقيع اتفاقية (عنتيبى) من جانب دول الحوض، التى تعطى هذه الدول الحق فى بناء سدود دون الرجوع إلى دولتى المصب، والنظر -من جديد- إلى الكميات التى تحصل عليها مصر والسودان، وإعادة توزيع حصة النهر على الدول التى لها الحق فى مياهه.

بالطبع لم توقع مصر والسودان على تلك الاتفاقية، إلا أن عدد الدول الموقعة يكمل النصاب، ومن ثم يعطيها الحق فى تنفيذ ما تراه.. لكن للسخرية أن تلك الاتفاقية لم توقع بين يوم وليلة، ولم تُبذل محاولات لإيقافها أو إجراء حوار مع الدول المعنية، بل حدث تغييب كامل للطرف المصرى حتى وصلت الأمور إلى حد استحالة الحل..

ففى عام 1999 تم الإعلان عن مبادرة (حوض النيل.. لتحقيق المنفعة للجميع وعدم الضرر)، وفى يونيو 2007 تم عقد مؤتمر لوزراء المياه فى دول الحوض فى «عنتيبى» وحدثت فيه اتفاقات جديدة وخطيرة، وفى مايو 2009 اجتمع وزراء دول الحوض فى «كينشاسا»، ونسقت دول المنبع السبع للضغط على مصر والسودان، وفى 5 من يوليو 2009، دعمت الدول والجهات المانحة لدول حوض النيل مبادرة تستهدف حوض النيل بكامله، وفى 26 من يوليو 2009 اجتمع المجلس الوزارى لدول الحوض، وسعت الدول السبع لفرض إقامة (مفوضية) لحوض النيل دون النظر إلى مشاركة مصر والسودان؛ عوضًا عن الاتفاقيات القديمة لتوزيع المياه.

حدث كل هذا دون إستراتيجية مصرية تهدف إلى الحفاظ على حقنا فى مياه النهر، ودون النظر إلى ما نبه إليه الخبراء من تعرضنا لنقص شديد فى المياه عام 2017 بفرض ثبات الكمية التى نحصل عليها من المياه، فإذا أضفنا لذلك أجراس الإنذار التى دقت كثيرًا تنبه للخطر الصهيونى فى الجنوب، وإلحاح دولة الكيان على دول الحوض لتكون شريكًا فى المياه -فإننا نؤكد أن نظام مبارك هو الذى ورطنا -عامدًا- فى هذه الكارثة، التى اكتملت بالتوقيع على «اتفاقية إعلان المبادئ» عام 2015.

لقد بدأت إثيوبيا فى ملء خزان سد النهضة الذى سوف يحتجز خلفه (72) مليار متر مكعب من المياه؛ ما سوف يوقع الضرر البين على مصر، كما شرعت فى عرض نحو مليونى هكتار للاستزراع والاستثمار على الدول الأخرى، ما يمنع ما تبقى من مياه من الوصول إلينا؛ حيث سيقلص حصتنا بما لا يقل عن 30% من الكمية المعتادة؛ ما يعنى -حسب الخبراء- بوار ملايين الأفدنة فى الدلتا والوادى بسبب العطش، وخفض كميات الكهرباء المتولدة من السد العالى، غير تأثيرات أخرى عديدة فى شتى المجالات التى تعتمد على مياه النهر. وهذه الخطوة من جانب إثيوبيا شجعت -للأسف- دولًا أخرى من دول الحوض على القيام ببناء سدود على النهر، إما للتنمية الزراعية أو توليد الكهرباء.

لقد أدت العقلية الفردية والمنهج القائم على الشللية، إلى ما وصلنا إليه فى هذه الأزمة، كذلك فإن استهانة دول الحوض بمصر جعلها تتخذ قرارات وتتبنى سياسات ليست من حقها دون الرجوع إلى حكامها الذين لم يشغلهم شىء سوى مصالحهم الشخصية وذلك «الكرسى» الذى يتشبثون به.

Facebook Comments