مسئولية السيسي عن أزمة سد النهضة تستوجب محاكمته بتهمة الخيانة العظمى، فهو من شرعن بناء سد النهضة بالتوقيع على اتفاق المبادئ بالخرطوم في مارس 2015م. وهو ما رفض التصويت بــ"نعم" على وثيقة الأمم المتحدة في جلسة 18 مايو 2021م بإلزام الدول بحماية المواطنين ومنع الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والتطهير العرقي والجرائم ضد الإنسانية. معنى ذلك أن السيسي لا يبالي بإبادة ملايين المصريين سواء بظلمه وطغيانه عبر المذابح الجماعية الوحشية أو بالتعذيب والإهمال الطبي في السجون أو بالجوع والعطش عبر سد النهصة الذي يبدي فيه السيسي ونظامه خذلانا مبينا.
وحتى ندرك أبعاد المؤامرة التي حاكها السيسي ونفذها أن الاتحاد الأوروبي وروسيا والصين والبنك الدولي أصدروا في 23 أبريل 2014م قرارا مفاجئا بوقف تمويل السد الإثيوبي، على اعتبار أن هذا الاستثمار غير آمن لوجود خلافات مع دولتي المصب -مصر والسودان- وهو الأمر الذي أربك القيادة الإثيوبية إلى أبعد حد، وتوقف العمل تماماً في العمليات التمهيدية للبناء، وفي ذلك الحين أكدت وزارة الري المصرية في تعليقها: أن وزارة الخارجية خاضت معركة دبلوماسية شاقة من أجل استصدار هذا القرار، وإقناع هذه الدول والبنك الدولي بوقف تمويل السد، لما سيوقعه من أضرار جسيمة على مصر، وبالفعل تم تجميد قروض دولية بقيمة ٣،٧ مليار دولار. وكان ذلك يعني أن أثيوبيا فقدت الكثير من قدرتها على استكمال بناء السد حتى فاجأ السيسي الجميع بالتوقيع على اتفاق المبادئ الذي منح السد المشروعية القانونية ومنح أديس أبابا القدرة على الحصول على تمويلات ضخمة لبناء السد.
لكن السيسي فاجأ الجميع بالتوقيع على اتفاق المبادئ بالخرطوم في 23 مارس 2015م. ذلك أن انقلاب الجنرال على الرئيس المنتخب الشهيد الدكتور محمد مرسي والمسار الديمقراطي الوليد بعد ثورة 25 يناير 2011م، أضعف الموقف المصري بشكل عام وفي أزمة سد النهضة مع أثيوبيا بشكل خاص؛ حيث جرى تعليق عضوية مصر في الإتحاد الإفريقي بعد الانقلاب بيومين (5 يوليو 2013م)بسبب انتزاع السلطة بشكل غير دستوري "انقلاب عسكري"، وهو الإجراء الذي وظفته أديس أبابا لصالحها لاحقا؛ حيث ساومت السيسي وابتزته ليعترف بالسد مقابل الاعتراف بشرعية انقلابه من جانب الاتحاد الإفريقي وعودة مصر إلى الاتحاد مرة أخرى. وهو ما جرى بالفعل في 17 يونيو 2014م بعد تنصيب السيسي بمسرحية انتخابية نافسته فيها الأصوات الباطلة؛ وفي 23 مارس 2015م وقَّع السيسي اتفاق المبادئ مع أثيوبيا والسودان معترفا بشرعية السد؛ ما يبرهن على أن السيسي منح الأولية لأطماعه في السلطة على حساب مصر وشعبها وحقوقها المائية.
إذا وضعنا هذا إلى جانب رفض نظام السيسي التصويت بـ«نعم» على قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة في جلسة الثلاثاء 18 مايو 2021م، بإلزام الدول بحماية المواطنين ومنع الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والتطهير العرقي والجرائم ضد الإنسانية، فإن المشهد يبدو أكثر وضوحا.
فنظام السيسي لا يمانع مطلقا من إبادة الشعب المصري ومقتل الملايين منه وهو ما يتسق مع توجهات النظام وفلسفته باعتباره نظاما عسكريا اغتصب الحكم بانقلاب عسكري وارتكب مئات الجرائم ضد الإنسانية سفك خلالها دماء آلاف المصريين ولا يزال حتى اليوم يمارس أبشع صور الطغيان والعنصرية والتمييزأملا في ضمان بقائه واستمراره.
موقف نظام السيسي وتصويته بــ«لا» على القرار الأممي أثار تساؤلات كثيرة؛ فلماذا يرفض نظام السيسي حماية المصريين من التعرض لأي جرائم وحشية أو جرائم ضد الإنسانية أو الإبادة الجماعية، وإدراج هذه الجرائم ضمن ولاية مجلس حقوق الإنسان؟ معنى ذلك أن النظام لا يتمتع بأي مسحة أخلاقية أو دينية أو حتى دستورية؛ ذلك أن حماية الشعب من الجرائم والإبادة والعدوان هي أصول دينية ومبادئ أخلاقية إنسانية واستحقاقات دستورية، وتصويت النظام برفض القيام بهذه المهام الدستورية الأصيلة هي بمثابة اعتراف رسمي بأن النظام يتخلى عن أبرز مهمه ووظائفه الأساسية، وأنه هو من يمارس هذه الجرائم والوحشية بحق الشعب، ورفضه هو شي من الدفاع عن النفس لأنه يخشى العواقب.
ولا يتصرف على هذا النحو المشين إلا مجموعة من اللصوص وقطاع الطرق يعلمون علم اليقين أنهم مافيا أو عصابة سيطرت على البلاد بقوة السلاح، وارتكبت من الجرائم الوحشية ما يستوجب المحاكمة. ويكفي أنه لم يتخذ ذات الموقف المشين إلا دول مارقة كمصر وسوريا وإثيوبيا والصين ورسيا وكوريا الشمالية وكوبا وبورندي وزيمبابوي ومثل هذه النوعية السيئة من الدول.
رفض نظام السيسي للقرار الأممي يعني أنه لا يريد أي التزام قانوني أو تعاقدي دولي بحماية الشعب المصري من أي جرائم وحشية أو جرائم ضد الإنسانية أو إبادة جماعية"، رغم أن هذه الحماية هي من المهام الأساسية لأي نظام حكم في العالم، وبالتالي فإن رفض التصويت على القرار الأممي ورفض التوقيع على معاهدة حماية السكان من جرائم الحرب والإبادة الجماعية والتطهير العرقي يعني أن لدى النظام نية مبيتة لإطلاق يد أجهزته العسكرية والأمنية في حرب إبادة للشعب كما فعل النظام من قبل في أعقاب الانقلاب العسكري في يوليو 2013م، حيث ارتكب عشرات المذابح الجماعية المروعة كما جرى في الحرس الجمهوري والمنصة ورمسيس ورابعة والنهضة ومصطفى محمود وغيرها. وبالتالي فإن النظام ارتكب بالفعل جرائم ترقى إلى أن تكون بالفعل جرائم ضد الإنسانية، وجرائم حرب وإبادة جماعية".
معنى ذلك أن نظام الانقلاب لا يبالي بإبادة المصريين سواء برصاص قناصته وأجهزته أو بالتعذيب والإهمال الطبي في سجونه، أو حتى بالجوع والعطش عبر سد النهضة؛ لذلك لا نجد من نظام السيسي في أزمة المياه إلا الفشل والخذلان والإصرار على الخذلان حتى يموت المصريون عطشا وجوعا. وهو ما يصب بشكل مباشر في مصلحة وأمن الكيان الصهيوني الذي يرى في مصر قوة كبرى قادرة على ردعه إذا استرد شعبها حريته واستقلاله وسيادته على أرضه وقراره السيادي.