يظل ما بقى من مقدرات وأصول مصرية لم يبعها النظام العسكرى -وهو لن يتوقف عن البيع حتى تصير «المحروسة» صومالًا أخرى- شيئًا يسيرًا بعد الذى تم بيعه على مدى ثمانى سنوات مضت.. لقد باعوا «مصر»: التاريخ والجغرافيا والمكانة، والماضى والحاضر والمستقبل، ووضعوا البلاد والعباد رهن العدو والصديق؛ ما قطَّعوا به حبال الأمل لمن يخلفنا من أجيال.

بيعتْ «مصر» بالجملة يوم بيعت ثورتها، بالقضاء عليها وملاحقة ناشطيها ومعاقبة القوى التى تبنتها وأنجحتها، ويوم وأدوا التجربة الديمقراطية لعلمهم أنها تفرز المواطنة وتدعم مصالح الأمة، ويوم حوَّلوا مسار الحكم إلى المسار الاستبدادى بكلفته العالية من دماء الأحرار وأموالهم وأعراضهم، ومن استقرار البلد وحفظ أمنه القومى؛ ولأنه المسار الوحيد الذى يتبنى العمالة والتبعية المذلَّة.

بعدما لم يعد لمصر قرار توقّع أى شىء، فلا خطيئة أفدح من خسران الإرادة الوطنية، التى ضاعت بعد الاستخفاف بالشعب، والاستهانة بمطالبه، وتسفيه رأيه، فلم يعد القرار «مصريًّا»؛ إذ يكون مرة خليجيًّا وأخرى صهيونيًّا وثالثة أمريكيَّا، وصار التنازل والبيع لمن يدفع منهم أكثر أو لمن يعترف بهم، وهم فاقدو الشرعية، أو يدعم نظامهم، أو يغض الطرف عن انتهاكهم لحقوق الإنسان.

إن سلسلة التفريط لم تتوقف منذ عصر الأربعاء (3/7/2013)، ولن تتوقف كما ذكرت، وما نراه من تنازلات عن جزر وحقول غاز وشريان حياة هو جزء مما تم بيعه بثمن بخس، وما خفى كان أعظم، وما يُتداول من أخبار ومفاوضات حول مياه النيل مثلًا إن هو إلا «ملهاة مأساوية» لا أكثر، أما الواقع فهو الكارثة التى ستنهكنا قريبًا وقد تمت فصولها فى الخفاء حيث لا رقيب ولا حسيب، ولا برلمان ولا أحزاب، بل طغاة مستبدون لا يُسألون عما يفعلون.

إن مما يؤلم النفس أن تنخرس «المؤسسات الوطنية» إزاء هذه الكوارث المتعمدة كأنها شريكة فى الجناية، فلم نسمع حتى شجبًا أو تنديدًا لما يجرى، وهذا دليل على أنه سقوط تام دونه حتمية استفاقة الشعب لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، أو لإزالة آثار العدوان كما يقولون..

ومما يؤلم أكثر أن آلة قتل الوطنيين لم تتوقف، كأنها «عربون» يُدفع للشارى أو هو شرط من شروطه، إضافة لما يتم من تنكيل لعموم الشعب؛ لتخويفه وإرهابه كى يستكملوا خيوط المؤامرة.

ومن الطبيعى بعد كل هذا أن تمتد أياد خارجية مشبوهة لإحكام السيطرة على مفاصل الاقتصاد المصرى؛ فصرنا نرى مصانع تاريخية تُغلق ثم تباع أرضها لعرب وغير عرب بأبخس الأثمان، ومشافى ومتاجر ناجحة يُرغم أصحابها على بيعها للكفيل ويزج بأصحابها فى السجون وقد لفقوا لهم التهم الهلامية سابقة التجهيز.

ومن الطبيعى أيضًا أن يُدان البلد بمبالغ هى الأكبر فى تاريخه وتعجز عن سدادها الأجيال، وأن يصير احتياطيه النقدى جزءًا من تلك الديون، وقد صُوِّر على أنه يزيد ضمن جملة الأكاذيب والإفك التى يتبناها النظام.

إن «مصر العظيمة» صارت قزمة ضئيلة، إن قيل لا يُسمع لها، وراجع إن شئت موقفها مع الجانب الإثيوبى فى مجلس الأمن، وردود الفعل التى أنصفت إثيوبيا ودعمت مطالبها رغم ما قامت به من اعتداء على حصة دولتى المصب…

وهذا راجعٌ إلى الفرق بين نظامين سياسيين؛ نظام ديمقراطى منتخب يتبنى أجندة وطنية لا يختلف عليها إثيوبيان، ونظام منقلب لا شرعية له، شعبه ساخط عليه، لا زال ينفخ فى نار الانقسام المجتمعى.

Facebook Comments