انتهت دراسة حديثة إلى أن الحكم النهائي والبات في قضية "اقتحام الحدود الشرقية" الذي أصدرته محكمة النقض يوم 11 يوليو 2021م يعصف بأي معنى لاستقلال السلطة القضائية، ويبرهن على أن القضاء في مصر تحول إلى أداة انتقام توظفها سلطات انقلاب 3 يوليو بحق المعارضيين السياسيين للنظام واغتصاب الحكم بقوة الانقلابات العسكرية.

وأيدت محكمة النقض حكم المؤبد على المرشد العام للإخوان الدكتور محمد بديع و10 آخرين من رموز الثورة والجماعة وهم: الدكتور محمد سعد الكتاتني، رئيس برلمان الثورة، والدكتور رشاد البيومي، والدكتور محيي حامد، والدكتور مصطفى طاهر الغنيمي، أعضاء مكتب الإرشاد، والدكتور محمد البلتاجي، والمهندس سعد الحسيني، عضو برلمان الثورة ومحافظ كفر الشيخ الأسبق، والدكتور محمد زناتي وحازم عبدالخالق منصور وإبراهيم يوسف، إلى جانب الشهيد الدكتور عصام العريان الذي انقضت الدعوى بوفاته. وقضت أيضا ببراءة 8 آخرين وإلغاء حكم المشدد 15 سنة بحقهم وهم صبحي صالح المحامي وعضو برلمان الثورة، والدكتور حمدي حسن، عضو برلمان الثورة، والدكتور أحمد دياب، عضو برلمان الثورة، وأحمد أبو مشهور وأحمد العجيزي والسيد حسن وعماد شمس الدين وعلي عز الدين. كما قضت بانقضاء الدعوى الجنائية بالنسبة للدكتور عصام الدين العريان لوفاته والذي استشهد في سجون النظام بالإهمال الطبي. 

خمس محطات

ووفقا للدراسة التي نشرها موقع "الشارع السياسي" تحت عنوان " أحكام القض في "اقتحام الحدود الشرقية" .. الأبعاد السياسية تعصف بالقضاء"، فإن القضية مرت بخمس محطات، منذ أن تفجرت في يناير 2014م  تحت رقم  56460 /2013 جنايات أول مدينة نصر، والمقيدة برقم 2926 لسنة 2013 كلى شرق القاهرة والمعروفة إعلاميا بـ"اقتحام الحدود الشرقية"، والتي أطلق عليها إعلام النظام العسكري في بدايتها قضية "اقتحام السجون" إبان ثورة 25 يناير 2011م،  وصولا إلى حكم النقض الأخير والبات. 

وتؤكد الدراسة أن هذه القضية لم تبن على أدلة بالمعنى المعروف قانونيا وقضائيا، لكنها من الألف إلى الياء قامت على التحريات الأمنية الخيالية التي تناقض الحقيقية في كل تفصيل وجزئية من جزئياتها. 

اللافت، وفقا للدراسة، في محطات هذه القضية أن محكمة النقض التي رفضت في نوفمبر 2015م حكم دائرة الإرهاب بجنايات القاهرة  في يونيو 2015م وأكدت في حيثيات رفضها أن الحكم معيب لما شابه من قصور في التثبت وفساد في الاستدلال. وشددت على أن تحريات الأمن الوطني والمخابرات العامة لا تصلح وحدها أن تكون دليلا كافيا بذاته، ولا تعتبر قرينةً مستقلة على ثبوت الاتهامات، وأعادت القضية للمحاكمة أمام دائرة أخرى، عادت هذه المحكمة (النقض) في حكمها الأخير "يوليو 2021م"، وأيدت حكم دائرة الإرهاب التي يرأسها محمد شيرين فهمي  في سبتمبر 2019م، رعم أن الحكم يستند وفقط إلى التحريات الأمنية، ولم يثبت أن دليلا جديدا ظهر على مسرح المحاكمة يمكن اعتباره دليلا ماديا كافيا لإدانة هؤلاء الرموز الإسلامية والثورية. بل على العكس كل الأدلة تعصف برواية العسكر الركيكة وتبرهن على أن القضية من الألف إلى الياء هي مسرحية هزلية من أجل تحقيق ثلاثة أهداف: 

الأول، الانتقام السياسي من جماعة الإخوان المسلمين لدورها الكبير في ثورة 25 يناير التي أطاحت بحكم مبارك، والقضاء على الجماعة باعتبارها القوة الشعبية الكبرى التي تضغط من أجل إقامة نظام حكم رشيد يقوم على الحرية والعدل والمساواة أمام القانون، كما أن القضاء على الجماعة يمثل اتفاقا إقليميا ترعاه الولايات المتحدة الأميركية والكيان الصهيوني وممالك الخليج الثرية التي ترى في الجماعة مشروعا نحو الديمقراطية التي تهدد عروشهم وتراه واشنطن وتل أبيب مشروعا للمقاومة يهدد "إسرائيل" ويزعزع وجودها. 

الثاني، تكريس السردية الأمنية حول ثورة يناير وانقلاب 3 يوليو، وتوظيف كل مؤسسات الدولة بما فيها القضاء من أجل تكريس هذه السردية المفبركة التي تفيض في كل حزئياتها وتفاصيلها بالأكاذيب والافتراءات التي تدحضها الحقائق والأدلة والبراهين. معنى ذلك أن الحكم  هو انحياز صارخ لتوجهات النظام وإذعان من القضاء للسلطة التنفيذية يحمل كل معاني الإذلال والتبعية المطلقة. ويعصف بأي معنى حول مفهوم القضاء والتقاضي، لأن القضاء في هذه الحالة تحول إلى سيف بيد السلطة تقطع به الرقاب الشريفة وتصادر حرية رموز المجتمع القادرين على النهوض بها من كبوتها التي طالت. 

الثالث، إشاعة الخوف والإرهاب في المجتمع المصري وقتل موطن المناعة المجتمعية، وخلال هذين الشهرين فقط صدر حكم بات في 14 يونيو 2021م بإعدام 12 من رموز وقيادات الثورة والإخوان، ثم حكم تأييد المؤبد على 11 من رموز الثورة والجماعة في 11 يوليو 2021م، ثم حكم بإعدام 6 من مواطني قرية دلجا بالمنيا في 13 يوليو 2021م. وكل هذا الإجرام والقمع والأحكام الجائرة حتى يتمكن النظام من إخضاع الشعب لتصوراته حتى لو كانت بالغة الشذوذ والإضرار بالأمن القومي للبلاد، وعلى رأسها التبعية المطلقة لأجندة الولايات المتحدة الأميركية وحماية مصالحها ومصالح الغرب عموما، والالتزام الأعمى باتفاقية "كامب ديفيد" والتي تجعل من مصر وجيشها مجرد حارس لأمن "إسرائيل" وضمان استمرارها وتفوقها. وذلك لن يتحقق إلا بأمرين: الأول هو الحيلولة دون إقامة نظام ديمقراطي حقيقي في مصر يعيد السيادة للشعب على أنقاض النظام العسكري الدكتاتور القائم حاليا. وإبعاد مصر عن صحيح الإسلام بما يفرضه من قيم أصيلة قادرة على إخراج مصر من كبوتها كالعدالة و والانضباط والإتقان والكرامة  الإنسانية.

ترويض القضاء

وانتهت الدراسة إلى أن السر وراء رفض محكمة النقض في 2015 الاعتماد على التحريات الأمنية وحدها كدليل إدانة على المتهمين في القضايا ثم القبول بها في 2021م إنما يعود إلى عمليات التدجين والترويض والإخضاع التي مارسها النظام العسكري ضد السلطة القضائية حتى تذعن وترضى بأن تكون سيف السلطة الباطش عبر الأحكام الجائرة، ومنه إقرار تعديلات قانون السلطة القضائية رقم 13 لسنة 2017م والذي صدق عليها السيسي في 27 أبريل 2017م والتي تمنح السيسي صلاحية تعيين رؤساء الهيئات القضائية لأول مرة في تاريخ مصر الحديث، وبما يخالف المادة 83 من نصوص الدستور. وهي التعديلات التي اعتبرت مسمارا قاتلا في نعش استقلال القضاء. وتمرير تعديلات قانون الإجراءات الجنائية والطعن بالنقض بشأن تقييد سماع الشهود أمام محكمة بسلطة تقديرية للمحكمة وإلزام محكمة النقض بالتصدى لموضوع الطعن من المرة الأولى دون إعادة والاعتداد بحضور وكيل عن المتهم أو المدان الغائب أو الهارب ليصبح الحكم الصادر ضده حضوريا وواجب النفاذ، وهى التعديلات التى صدرت بالقانون 11 لسنة 2017م.  ثم التعديلات الدستورية في أبريل 2019م، والتي منحت السيسي صلاحيات مطلقة في الشأن القضائي وعصفت بأي معنى عن استقلاله وبات يخضع بشكل كلي للسلطة التنفيذية. 

لم يعد في مصر عدالة!

وفي خلاصتها ترى الدراسة أن مصر لم يعد بها عدالة ولم يعد بها قضاء كما هو متعارف عليه في جميع بلاد العالم الحر، وما يحدث في عهد السيسي هو مذبحة بمعنى الكلمة، ليس للسلطة القضائية فقط بل مذبحة للحريات وللكرامة الإنسانية وللقيم الإنسانية النبيلة والسامية، فقد تم دسترة وقوننة الدكتاتورية على النحو الذي نعاينه اليوم حتى باتت محصنة بترسانة من نصوص دستورية وقانونية بالغة الشذوذ والغرابة. ترتب على ذلك أن مصر احتلت المركز 110 بين 113 دولة في مؤشر نزاهة القضاء الذي أصدره مشروع العدالة العالمية (WJP) في واشنطن عام 2018، والذي اعتمد حينها على 44 معيارا، منها السيطرة الحكومية وغياب الفساد والحقوق الأساسية والنظام والأمن والعدالة المدنية، والعدالة الجنائية. وفي مؤشر الفساد العالمي، احتلت مصر المركز 117 بين 180 دولة عام 2020، بعدما كانت في المركز 106 عام 2019م. 

وتوصى الدراسة في خلاصتها بأن هذه الأوضاع تفرض على كل حر وشريف في هذا البلد أن يتصدى لهذا المشروع الدكتاتوري الذي يقوده جنرال طاغية لا يجيد سوى البطش والطغيان.  فتحرير مصر قد يؤدي إلى تحرير الوطن العربي كله من هذه المرحلة الظلامية التي اتسمت بأعلى صور الظلم والطغيان والجهل والتخلف.

Facebook Comments