ظل غالبية المتطلعين للديمقراطية في العالم العربي يحلمون بالنموذج التونسي كأخر نموذج ربيع عربي صامد؛ لكنه يعاني ضربات أنصار الثورة المضادة في الداخل والخارج، ويشيدون بانحناء "النهضة" للعاصفة ورفضها المشاركة في الحكم؛ لمنع تبريرات الانقلابيين المعادين للتيار الإسلامي، حتى وقع انقلاب قيس سعيد الدستوري فجعلهم يكفرون بالديمقراطية.

حتى إن بعض مؤيدي طالبان وداعش على مواقع التواصل كتبوا يسخرون من العرب الذين لا يزالوا يتمسكون بالسلمية والخيار الديمقراطي والتداول السلمي، ويتندرون عليهم؛ لأنهم متمسكون بالحريات والديمقراطية ويرفضون العنف.

أحد الدروس المستفادة من انقلاب تونس أنه لا يمكن للإسلاميين المنافسة على السلطة في ظل أنظمة علمانية استئصالية، إلا أن يمتلكوا من صور القوة والنفوذ في أجهزة الدولة وحب الشعب ما يجعل الانقلاب عليهم عملية انتحارية، نتيجتها غير مضمونة، وأن يعملوا بجد ودون كلل؛ لإحياء الإسلام في النفوس، فيصبح المجتمع حاضنة شعبية لهم، لا تسمح بالانقلاب عليهم وتجربة تركيا مثال حين انقلب العسكر وتصدي لهم الشعب؛ لأنه يثق في حزب العدالة والتنمية.

الانقلاب على إرادة الشعوب، سيجعل الثورات القادمة أيضا دموية بحق؛ لأن الأجيال الحالية والقادمة في الشعوب ستدرك مع الوقت، أن الانقلاب في حقيقته دعوة للكفر بالتداول السلمي على السلطة، وتحريض على حيازة القوة؛ لانتزاع السلطة، من سلطة منقلبة انتزعت السلطة بالقوة، من سلطة منتخبة.

مهم أيضا إدراك أن ما جرى في تونس كان مُتوقعا أيضا؛ لأن الدولة العميقة في دول الربيع العربي مازالت متماسكة مستحكمة يحرسها قادة جيوش وقادة أجهزة أمنية لهم مصالح مع الدولة العميقة.

لذا الدرس المستفاد هو اقتلاع هذه القوى العميقة فور الثورات وعدم البناء على المؤسسات القديمة كما حدث في مصرأيضا فدعم هؤلاء الفلول وغيرهم الانقلاب على ثورة يناير والتجربة الديمقراطية.

انقلاب تونس كشف بالتالي أن القوة والنفوذ في مؤسسات الدولة هي الوحيدة التي تحمي الحق والحرية والديمقراطية، هذا ما أثبتته تجارب تركيا وليبيا حين تمسكت شعوبهم بثورتهم وديمقراطيتهم ورفضهم انقلاب وغزو حفتر ومعه دول العالم والمرتزقة؛ لأنهم يملكون سلاحا وحب شعوبهم ليحموا بهم أنفسهم.

فهذا رابع انقلاب تقوده الإمارات في المنطقة: مصر 2013، ليبيا 2015، تركيا 2016، تونس 2021، فشلت مرتين في ليبيا وتركيا ونجحت مرة في مصر فهل تنجح لثاني مرة في تونس؟ فهذا يتوقف على وجود قيادة ثورية تونسية تقاتل بشرف وذكاء حتى النهاية ولا تستسلم أبدا.

من الدروس أنه على عكس انبطاح القضاء في مصر رفض مجلس القضاء الأعلى في تونس استيلاء قيس سعيد على منصب النائب العام ما يعني قطع يد هذا الأخرق الذي كان يهدف من وراء الاستحواذ على هذا المنصب الهام والحساس، توجيه اتهامات لكل مخالفيه، ومحاكمتهم ليبقى أن قيس سعيد أول ديكتاتور عربي مدني منتخب.

 

فضيحة النخب

دروس تونس أثبتت سقوط النُخب العربية ودعاة بعض وليس كل التيار المدني فكما دعموا انقلاب مصر يدعمون انقلاب تونس.

موقف بعض النخب اليسارية والليبرالية والناصرية والحقوقية المصرية والعربية المائع تجاه انقلاب تونس مُخزٍ وفاضح بامتياز، وبعض هؤلاء كان أسرع شرائح المجتمع خيانة للديمقراطية والحقوق والحريات، رغم كثرة صخبهم وأغانيهم عنها، ما يعني أن بعض النخب العربية تؤكد مجددا أنها عبء وخطر على الربيع العربي.

الموقف الإجمالي للأحزاب في تونس من انقلاب قيس سعيد موقف مشرف للغاية، باستثناء كيانات هزيلة عديمة التأثير، وهو يختلف عن موقف الأحزاب المدنية في مصر التي دعمت الانقلاب وتعاني الآن مثل الأخوان.

لكن موقف "اتحاد الشغل" مائع ويدعم القرارات ضمنا، والقوى المدنية التونسية التي دعمت الانقلاب تقع في نفس خطأ نظيرتها المصرية عشية انقلاب 3 يوليو في مصر وسوف تدفع الثمن باهظا.

وكما يقول أحمد عبد العزيز عضو الفريق الرئاسي للرئيس مرسي "من الخطأ لوم الإسلاميين على الانقلاب في تونس فقد تصرفوا وفق مقتضيات المنطق، أما العلمانيون فلا يزالون وسيظلون مؤمنين باستئصال الإسلاميين الظلاميين، بلا رحمة، حالما كان ذلك ممكنا، والدرس المستفاد هو: انتزاع السلطة انتزاعا، واكتساب الشرعية بالإنجاز، والتعامل مع العلمانيين كطابور خامس.

 

الموقف الدولي!

الموقف الدولي يبدو متأمرا بدوره ورود أفعال أمريكا وفرنسا مائعة، ويرفضون تسميه ما جرى بأنه انقلاب مع أنهم سارعوا مع غيرهم حين أصدر الرئيس محمد مرسي مرسوما رئاسيا دستوريا لوصفه بأنه انقلب علي الثورة.

فإدارة بايدن تتريث قبل اتخاذ قرار لتوصيف ما إذا كان ما تشهده تونس انقلابا أم لا كما فعلت إدارة أوباما.

التريث مفهوم أنه لاعتبارات كثيرة منها القانوني والسياسي والإنساني فاذا اعتُبر أمريكيا بأنه بالفعل انقلاب في تونس فهذا يحتم على الإدارة الوقف الفوري للمساعدات وكذا الاتصالات.

خلال انقلاب السيسي وزير الدفاع آنذاك على الرئيس الراحل مرسي، تريثت إدارة أوباما لأسابيع قبل اعتبارها رسميا أن ما حدث لم يكن انقلابا؛ وذلك حتى تستمر المساعدات العسكرية لمصر كونها قوة إستراتيجية؛ لتلبية المصالح الأمريكية ولكن لقناعتها بأنه كان انقلابا، قطعت جزءا من المساعدات المالية.

Facebook Comments