رغم البيانات المتلاحقة لرموز نظام السيسي، بتراجع حصة مصر المائية ودخل مصر مرحلة الجفاف والعطش إثر سدالنهضة الأثيوبي، إلا أن السيسي الذي يُضيّق على المصريين في مواردهم المائية فارضا سياسات التقشف المائي ومنع زراعة المحاصيل الشرهة للمياه، وفرض غرامات على استهلاك المياه وفرض رسوم على الري وإشراك المزارعين في بناء شبكات ري وصرف، بل وتوجه السيسي القسري لتبوير الأراضي الزراعية في دلتا مصر كما يجري في طنطا والمنوفية والإسكندرية والشرقية، ورغم ذلك كله يتجه السيسي للاستصلاح بالصحراء، ما يؤكد أن هناك خللا ما، إما عقليا أو أن هناك مآرب أخرى قد تتعلق بتوسيع أملاك العسكر، الذين باتت كل الأراضي الصحراوية في عموم مصر ملكا لهم وتحت تصرفهم.
وكان عبد الفتاح السيسي، عقد، مؤخرا، اجتماعا مع كل من وزير الزراعة واستصلاح الأراضي بحكومة الانقلاب السيد القصير ومدير جهاز مشروعات الخدمة الوطنية للقوات المسلحة اللواء وليد أبو المجد، تناول "متابعة التوسعات المستقبلية لاستصلاح الأراضي الصحراوية على مستوى الجمهورية، خاصة في منطقة جنوب الوادي بتوشكي وشرق العوينات".
تبوير المزروع
الاجتماع جاء في ظل توجه الحكومة نحو تبوير آلاف الأفدنة الزراعية في العديد من المحافظات بهدف إنشاء مدن سكنية جديدة، في خطوة حذّر مراقبون من أنها "ستفاقم من أزمة الزراعة التي تتعرض لمخاطر كبيرة بسبب شح المياه، ولا سيما مع إصرار إثيوبيا على استكمال مخططاتها في تواصل ملء سد النهضة من دون التنسيق مع مصر والسودان".
وفي هذا السياق، بدأت الأجهزة المحلية في محافظة الغربية، في إجراءات تبوير 300 فدان تابعة لوزارة الأوقاف ومن أجود الأراضي الزراعية في المحافظة، من أجل إنشاء مدينة "طنطا الجديدة"، استجابة لتوجيهات السيسي بشأن الحد من المساحات الزراعية، جراء التداعيات السلبية لإنشاء سد النهضة الإثيوبي، وتراجع حصة البلاد من مياه النيل.
وبحسب مراقبين، فإن "مدينة طنطا الجديدة ستكون مقدمة لتبوير الآلاف من الأفدنة الزراعية، بحجة إنشاء المدن السكنية الجديدة في مختلف المحافظات، وسط توقعات بفقد مصر نحو 20 مليار متر مكعب من حصتها المائية، البالغة حاليا نحو 55.5 مليار متر مكعب، في حال ملء السد الإثيوبي خلال فترة زمنية قصيرة، أي ما يعني فقدها قرابة أربعة ملايين فدان زراعي".
وقال المتحدث الرسمي باسم رئاسة الانقلاب في بيان، إن "اجتماع السيسي تناول متابعة التوسعات المستقبلية لاستصلاح الأراضي الصحراوية على مستوى الجمهورية، خاصة في منطقة جنوب الوادي بتوشكي وشرق العوينات، حيث تم عرض الجهود المشتركة لمختلف جهات الاختصاص في ما يتعلق بالدراسات ذات الصلة بمشروعات التنمية الزراعية في منطقة جنوب الوادي، والتوسعات المستقبلية المقترحة في هذا الصدد، خاصة صلاحية وجودة التربة ونسبة الملوحة وتوفير مصادر المياه، وذلك بهدف إقامة مشروعات تنموية مستدامة حول تلك المناطق، وكذا الاستفادة من الجزء الأكبر من المياه التي تُفقد بها".
واتجهت حكومة الانقلاب إلى تحويل أراض زراعية إلى أراض سكنية، ومنها محطة بهتيم للبحوث الزراعية (380 فدانا)، إذ ذهبت لجنة من القوات المسلحة في وقت سابق لرفع إحداثيات أرض المحطة، من دون علم القائمين عليها، لإدراجها ضمن مشروعات التطوير العقاري لمدينة شبرا الخيمة.
إنشاء عمارات سكنية!
كما ذهبت إلى محطة كفر حمام للبحوث الزراعية بمحافظة الشرقية لجان مساحية لرفع إحداثيات أرض المحطة (36 فدانا) بهدف إنشاء عمارات سكنية، بحسب رد مسؤولي اللجان على تساؤلات باحثي المحطة، وفي محطة بحوث الدواجن بالإسكندرية البالغة مساحتها 12 فدانا، وردت معلومات لمسؤولين بالمحطة بتحويلها إلى منطقة سكنية.
والغريب أن استصلاح الأراضي الصحراوية وكلفته المائية الكبيرة في وقت العجز المائي المصري، يكشف إلى أي مدى الجنون في إدارة مصر من قبل السيسي، أو النهم الشديد لمراكمة ثروات العسكر على حساب غذاء الشعب واقتصاده.
ففي وقت قريب، أقر مجلس نواب الانقلاب نهائيا، مشروع قانون مقدم من حكومة الانقلاب بشأن الموارد المائية والري، والذي استهدف حظر زراعة المحاصيل "الشرهة للمياه"، وفرض غرامات مالية كبيرة على المزارعين مقابل الاستفادة من الموارد المائية، ومنح تراخيص استخدام ماكينات رفع المياه، فضلا عن تحميلهم نسبة 10% من قيمة تكاليف إنشاء شبكات المصارف المُغطاة وإحلالها وتجديدها.
وحسب دراسات حديثة، من التأثيرات السلبية المتوقعة لملء سد النهضة التناقص الحاد في المساحات المزروعة بالمحاصيل الشرهة للمياه، وعلى رأسها زراعة قصب السكر والأرز، وهما من المحاصيل الإستراتيجية الهامة في مصر.
كما ستتأثر زراعة محاصيل الخضر والفاكهة، وكذلك الحبوب، مثل القمح والذرة الصفراء، وبالتالي زيادة أسعار الأعلاف وتحميل الاقتصاد المصري تبعات ذلك بالاستيراد من الخارج لتغطية احتياجات المواطنين.
ولعل رهان السيسي ونظامه على استغلال المياه الجوفية في زراعة الصحراء يفقد الكثير من العلمية والمنطقية، إذ أنه في ظل جفاف متوقع وتصحر يضرب مصر وعطش مؤكد، في مخزون المياه الجوفية في الصحراء الغربية يمكن أن يمثل بديلا مناسبا لانقاذ المصريين من الموت عطشا، إلا أنه يببدو أن عطش الشعب وموتهم لا يمثل شيئا لدى نظام السفاح السيسي بقدر ما يستهدفه من توسيع ملكية الجيش لاقتصاد مصر، بما يفوق 60% من اقتصاد مصر.