دخلت طالبان إلى القصر الرئاسي سلما دون أن تطلق رصاصة واحدة، بل قام الحارس الشخصي للرئيس الأفغاني الهارب أشرف غني بفتح مكاتب القصر بشكل سلس لقادة طالبان، الذين افتتحوا دخولهم للقصر بتلاوة آيات النصر، ومنذ تلك اللحظة أصبحت حركة طالبان الحاكم الفعلي لأفغانستان بعد إبعاد قسري استمر 20 سنة، لم يكن مطلوبا من الحركة أن تعرض نفسها على الشعب في انتخابات رئاسية أو برلمانية، ولم يكن لها أن تستأذن أحدا في بدء ممارسة الحكم، لقد استحقت ذلك بشرعية التحرير الذي تم مقاومة مسلحة استمرت 20 عاما قدمت فيها الحركة آلاف الشهداء والمصابين، كانت الحركة خلال تلك السنوات تواجه أعتى جيوش العالم وعلى رأسها الجيش الأمريكي، وغيره من جيوش التحالف الدولي الذي أطاح بحركة طالبان من الحكم عام 2001 عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر في العام ذاته.

في الجزائر

في كل الدول التي خضعت لاحتلال أجنبي، ثم تصدت فيها حركات تحرير لمواجهة ذلك الاحتلال أصبح من حق تلك الحركات أن تحكم عقب التحرير، حدث ذلك في الجزائر مع جبهة التحرير التي قادت المقاومة المسلحة منذ العام 1954ضد الاحتلال الفرنسي الذي طال لمدة 130 عاما، قدم خلالها الشعب الجزائري مليون شهيد، ثم خاضت جبهة التحرير تفاوضا سياسيا في مدينة إيفيان الفرنسية انتهى بتحقيق حلم الاستقلال، ولم تترك جبهة التحرير الحكومة المؤقتة كثيرا في الحكم حيث استلمت السلطة مباشرة برئاسة أحمد بن بللا أحد القادة الكبار لحرب التحرير الذي حكم لمدة سنتين ونصف قبل أن ينقلب عليه رفيق دربه ووزير دفاعه وأحد قادة حرب التحرير أيضا هواري بومدين، والذي استمر في الحكم 13 عاما ليخلفه رجال جبهة التحرير انتهاء بالرئيس المخلوع عبد العزيز بوتفليقة الذي أطاحه الحراك الشعبي الجزائري الذي انطلق في فبراير/شباط 2019، ورغم أن هذا الحراك كان من المفترض أن يضع نهاية لشرعية التحرير التي حكم بموجبها قادة جبهة التحرير طيلة العقود السابقة -وكان الدستور الجزائري يضع شرط المشاركة في تلك الحرب كأحد الشروط الرئيسية للترشح للانتخابات الرئاسية- إلا أن رجال جبهة التحرير ظلوا يتصدرون المشهد حتى الآن.

وفي فيتنام

وفي فيتنام التي شهدت حرب تحرير بين الأعوام 1955-1975 بقيادة الجبهة الوطنية للتحرير المعروفة بـ(الفيت كونغ /Việt cộng) تولى الثوار الشيوعيون الحكم بعد التحرير، وما زال الحزب الشيوعي هو الحزب الحاكم في فيتنام حتى الآن وهو واحد من 5 أحزاب شيوعية ما زالت حاكمة في العالم، هي الصين وكوبا ولاوس وفيتنام وكوريا الشمالية.

شرعية التحرير تؤهل أصحابها للحكم في المراحل الانتقالية، لكنها لا تمنحهم شيكا على بياض للحكم أبد الدهر أو لفترات طويلة كما حدث في نموذجي الجزائر وفيتنام، فالشعوب تقدر تضحيات من بذلوا دماءهم من أجل تحريرها، وترفعهم على الأعناق، لكنها -أي الشعوب- تحتاج أن تعيش حياة آدمية يتوفر فيها الخبز إلى جانب الحرية والكرامة، وهو ما تعجز عنه غالبا أحزاب وحركات التحرير بمرور الوقت، فتدفع الشعوب للثورة عليها كما حدث في الجزائر مؤخرا، أو إسقاطها انتخابيا في النظم التي تسمح بالتداول ولو بشكل هامشي، فحزب الاستقلال الذي شكل غالبية المجلس الوطني الاستشاري برئاسة المهدي بن بركة عقب الاستقلال عام 1956 تضاءل دوره السياسي لاحقا وأصبح يقتصر على المشاركة في بعض الحكومات، وفي الهند حيث قاد حزب المؤتمر الوطني حركة التحرر من الاستعمار البريطاني، فإن الحزب شكل الحكومة لدورات عدة بعد الاستقلال لكنه لم يستطع المحافظة على أغلبيته البرلمانية في العديد من الدورات الانتخابية اللاحقة، وانتقل إلى موقع المعارضة مرات كثيرة، وحتى في جنوب أفريقيا التي قاد حزب المؤتمر الوطني الأفريقي فيها النضال ضد الفصل العنصري، ونجح في إنهائه في 1994 يعاني الحزب حاليا من تراجع شعبيته ويتوقع مراقبون أن يفقد أغلبيته في انتخابات 2024.

حق طالبان

من حق طالبان إذن أن تحكم منفردة خلال الفترة الانتقالية لو أرادت استنادا إلى شرعية التحرير، ناهيك بتمثيلها المنطقي لطوائف الشعب الأفغاني، حيث لا تقتصر الحركة على عرق معين وإن كان غالبية أعضائها ينتمون للبشتون الذين يمثلون أيضا الغالبية في الشعب الأفغاني، لكن الحكم المنفرد سيحملها المسئولية بشكل كامل أمام الشعب وأمام المجتمع الدولي، وسيضعها منفردة في مواجهة الجميع، وبالتالي فليس من الحكمة في ظل الأوضاع السياسية والاقتصادية والأمنية الصعبة التي تعيشها أفغانستان أن تنفرد طالبان بالحكم، وهذا ليس حقدا عليها أو حسدا لها، أو غيرة منها كما يتوهم مرضى النفوس، ولكنه الحرص على نجاح تجربتها الثانية في الحكم، وحسنا أنها تدرك ذلك، ولذا فقد شرعت في مفاوضات مع العديد من الأطراف والقوى السياسية والمجتمعية الوازنة لتتحمل معها مسئولية الحكم.

لا تعرف طالبان أسلوب المحاصصة القبلية أو الطائفية، ولكنها حسبما ذكر لي شيخ أفغاني غير طالباني تبحث عن أصحاب الكفاءة والخبرة من كل الأعراق والحركات المستعدة للتعاون معها، وبعد يوم واحد من دخول كابل أعلن ممثل المكتب السياسي للحركة في قطر سهيل شاهين أن حكومة أفغانية جديدة ستضم أولئك الذين لم يكونوا أعضاء في الحركة.

رغم الأصوات الإعلامية والحقوقية الزاعقة الخائفة من حكم طالبان، إلا أن مراكز صنع القرار الدولي تتجه تدريجيا للاعتراف بها، والتعامل معها، حتى وإن أبدت تحفظا مرحليا في انتظار تطمينات عملية أكثر من حركة طالبان، وعلى العموم فإن الأمريكان حصلوا على الضمانات المطلوبة في اتفاق الدوحة، وأهم تلك التطمينات هو عدم سماح طالبان باستغلال أرض أفغانستان ضد مصالحهم، وعدم السماح باستضافة من يهددون أمن الولايات المتحدة وحلفائها، وبالتالي يبقى على الولايات المتحدة وحلفائها الذين جربوا الحرب لمدة عشرين عاما ضد طالبان أن يجربوا السلام معها، ومنح الشعب الأفغاني الفرصة أن يعيش في سلام واستقرار وازدهار.

…………..

نقلا عن "الجزيرة مباشر"

Facebook Comments