لهذه الأسباب .. إنقاذ طفل المحلة “فيلم هندي مبتذل”

- ‎فيتقارير

من كثرة الأكاذيب والروايات الملفقة التي تصدرها وزارة الداخلية بحكومة الانقلاب على مدار السنوات الماضية، لم تعد تنطلي عليَّ  بياناتها المفبركة والدعاية التي تمجد في بطولاتها وبطولات ضباطها الأشاوس الذين يضحون بحياتهم من أجل أمن الوطن والمواطن؛ ذلك أنهم قتلة متوحشون رآهم المصريون على الهواء يقتلون أنبل أبناء مصر قنصا وقتل وغدرا.

ورغم التعاطف مع كل جهد مخلص من أي جهة في سبيل تحقيق الأمن والأمان للمواطنين بمفهومهما الحقيقي وليس الوهمي، إلا أن حالة البروباجندا الإعلامية التي صاحبت إعلان وزارة الداخلية بحكومة الانقلاب عن تحرير الطفل زياد أحمد البحيري من يد خاطفيه على تخوم مدينة المحلة أثارت الشك في الرواية الأمنية لأسباب عديدة، أبرزها الدعاية الضخمة التي صاحبت عملية التحرير المزعومة رغم أن عشرات الأطفال يخطفون كل يوم ويتم الإبلاغ عنهم دون أي تحرك جاد من أجهزة نظام الانقلاب الأمنية. فلماذا هذه الحادثة بالذات جرى التعامل معها على هذا النحو المغاير؟!

الأمر الآخر أن عملية الخطف نفسها عليها علامات استفهام؛  لأن الوزارة يبدو أنها كانت تعلم بخطوات الخاطفين من الألف إلى الياء وكأنه مشهد تمثيلي وليس عملية اختطاف حقيقية؛ والبرهان على ذلك أن العملية جرى تصويرها بالكاميرات وبثت الداخلية مقاطع من فيلم دعائي لعملية تحرير الطفل وسط زفة إعلامية كبرى تستهدف بكل تأكيد التغطية على فشل الوزارة في تحقيق الأمن للوطن والمواطنين، لأن عشرات الأطفال وحتى البالغين المخطفوين كل يوم يتم تجاهلهم ولا تتحرك الداخلية إلا بعد فترة يكون الخاطفون قد تمكنوا بالفعل من الاختباء والتخفي فلماذا جرى التحرك على هذا النحو مع هذه الحالة بالذات؟!

يعزز  هواجس عدم تصديق هذه الرواية الأمنية عملية التوظيف السياسي والإعلامي لعملية تحرير الطفل ونسبتها إلى السيسي نفسه بتصويره كحامي البلد ومنقذها من الأشرار رغم أنه قاتل سفك دماء الآلاف من المصريين الأبرياء، ولم تشهد مصر في عهد الاحتلال الإنجليزي الذي دام أكثر من سبعين سنة مذابح للمصريين كما شهدت في يوم واحد في عهد السيسي هو 14 أغسطس 2013م، بخلاف عشرات المذابح الجماعية الأخرى التي نفذتها عصابته بناء على أوامره.

ولاستكمال سيناريو الفيلم الهابط تم الإعلان عن تبرع السيسي ببقرتين مذبوحتين على سلم منزل الطفل المحرر علاوة على جهاز تابلت لوحي، بينما احتفى حزب "مستقبل وطن" بالعملية باعتبارها إنجازا.

كان يمكن التسليم برواية الداخلية لو كنا نعلم أنها فعلا تتعامل على هذا النحو مع كل حالة اختطاف، لكن يبدو أنه مع تواتر البلاغات عن عمليات خطف الأطفال التي تتكتم الداخلية على أرقامها الحقيقية وهي أرقام مرعبة بالفعل، وبالتالي أريد بهذه العملية الدعاية للنظام سياسيا من  جهة، وتجميل صورة الداخلية من جهة ثانية، والتغطية على فشل الوزارة من جهة ثالثة. لا سيما وأن مشروعات النظام التي يتم إهدار مئات المليارات عليها لم تقنع الشعب لأنها مشروعات بلا جدوى حقيقية ولم توفر فرص العمل لملايين العاطلين، وبالتالي فإن النظام يعتمد على صناعة اللقطة وتضخيمها إعلاميا كشكل من أشكال الدعاية والإقناع بديلا لفشله في كافة الملفات والقطاعات.

وتشهد مصر ارتفاعا كبيرا في عدد جرائم خطف الأطفال خلال الأشهر الأخيرة، والتي بلغت 20 حالة خطف خلال شهر يناير 2021م، حسب الأرقام الرسمية، وغالبا ما يطلب الخاطفون من أهل الطفل فدية مالية، وقد تكون هناك خلافات تدفع إلى خطف الطفل للابتزاز، وهو ما بات يُثير حالة من الرعب بين الأسر المصرية، خصوصا الأثرياء.

يتفق مع هذا التصور الكاتب والمحلل السياسي وائل قنديل، حيث يرى أن ما جرى هو فيلم أنتجته الأجهزة الأمنية بتقنية إخراج وتصوير عالية، بحيث يظهر السيسي بطلا وحيدا للعملية كلها، من مشهد البداية، حيث يأتي صوتُه مجسّما ومضخما، وهو يقول: نحن هنا فلا خوف إذن، فيما لا تغيب صورته عن الخلفية في أثناء تحرّك القوات الخاصة تصاحبها موسيقى تصويرية، لا تجدها في أفلام سينمائية عن عبور أكتوبر 1973 أو ما قبله، مثل فيلم "الطريق إلى إيلات" وصولا إلى النهاية السعيدة، حيث الجماهير الغفيرة تهتف باسم الزعيم السيسي، وأسرة الطفل تشكر القائد السيسي، وحزب "مستقبل وطن" يذبح العجلين اللذين قدّمهما السيسي الإنسان إلى الطفل، مع جهاز لابتوب حديث، هدية، تجمع بين التراث والمعاصرة، وتزاوج بين غذاء المعدة وغذاء العقل.

غير أن ذلك كله لا يمنع من الإعجاب بالطريقة المبهرة، والسرعة المذهلة التي نجحت بها القوات المكلفة من القائد السيسي في تخليص الطفل المخطوف من بين أنياب العدو الشرير، هي السرعة التي دفعت أصحاب النيات السيئة للتساؤل: إذا كانت قوات الأمن المصرية بهذه القدرات الخارقة والإرادة الحارقة في الإنجاز السريع، فلماذا تدّعي الجهل بمكان النائب مصطفى النجار الذي خطفته هذه الأجهزة قبل أكثر من ألف يوم وأخفته قسرا، ولا تردّ على استغاثات أسرته ومطالبات المنظمات الحقوقية المحلية والعالمية بالكشف عن مصيره؟

ليس مصطفى النجار وحده المخفي قسرا، بل هناك أكثر من 360 بحسب هيئات قانونية وحقوقية مخفيون بالطريقة ذاتها، لا يعلم مكانهم أحد، سوى هذه الأجهزة التي تسمع دبيب النمل وتحرّر طفلا بعد ساعات من عمليه اختطافه، المصوّرة أيضا؟ من الممكن، مثلا، أن تكشف هذه القوات الباطشة عن مصير المطرب، إيمان البحر درويش، الذي لا يعلم أحد أين ذهب بعد ظهوره الإلكتروني متحدّثا عن سد النهضة وأشياء أخرى؟

وتشهد مصر ارتفاعا كبيرا في عدد جرائم خطف الأطفال خلال الأشهر الأخيرة، والتي بلغت 20 حالة خطف خلال شهر يناير الماضي وحده، حسب الأرقام الرسمية، وغالبا ما يطلب الخاطفون من أهل الطفل فدية مالية، وقد تكون هناك خلافات تدفع إلى خطف الطفل للابتزاز، وهو ما بات يُثير حالة من الرعب بين الأسر المصرية، خصوصا الأثرياء.