وسط اقتصاد مصري منهار وديون خارجية وداخلية بمليارات الدولارات، ونسبة فقر وصلت إلى 40 % وتطمح أن تزيد، وعجز عام عن الشراء بسبب غلاء الأسعار والخدمات وتدني الأجور، افتتحت شركة "أمازون" أمس مستودعا في مدينة العاشر من رمضان بمحافظة الشرقية في مصر، تزامنا مع إطلاق موقع "amazon.eg" رسميا.
ويأتي إطلاق "أمازون مصر" وسط سياسة عسكرية صارمة من عصابة الانقلاب باستحواذ الجيش على كامل الاقتصاد، وقال رونالدو مشحور، نائب رئيس الشركة لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، إن "هذا المستودع الذي تم تجديده يقع على مساحة 28 ألف متر مربع ويُعد جزءا من استثمارات الشركة في مجال الخدمات اللوجستية بالسوق المصرية".

أمازون والعسكر
وتستثمر شركة "أمازون مصر" أكثر من مليار جنيه في مصر وتوفر ما يزيد على 3000 وظيفة وتمتلك أكثر من 15 محطة توصيل على مستوى الجمهورية، ويحتل السوق المصري المرتبة الأولى من حيث استثمارات أمازون في القارة الإفريقية، بحسب بيان من الشركة.
إلا أن ذلك كله سيصطدم لا محالة مع سعي عصابة الانقلاب لبسط مزيد من السيطرة على اقتصاد البلاد وهو مالم يعد خافيا على أحد؛ بعدما امتدت يدها الآثمة لقطاعات الإنشاءات والمواد الغذائية والطرق والجسور وتصنيع مكيفات الهواء وتوريد الأدوية للجامعات؛ ما يعني أنه بات متوغلا في كل القطاعات.
ومنذ بزوغ شمس انقلاب يوليو 1952، تعاقب جنرالات عسكريون بدءا بعبد الناصر وانتهاء بالسفاح السيسي، غير أن عملية العسكرة تعاظمت عقب اتفاقية كامب ديفد للسلام مع كيان العدو الصهيوني في 1978، والتي وجهت المهام القتالية ورصاص الجيش نحو صدور وأعناق المصريين.
وبُعيد الاتفاقية اتجه الجيش ككتلة إدارية من العمل العسكري البحت إلى السيطرة على ملفات الاقتصاد الداخلي وريادة الأعمال، بحيث بات يسيطر بموجب القانون على أكثر من 80% من أراضي الدولة، كما أن القوات المسلحة تملك حق الانتفاع المتعدد بالمجندين إجباريا، عبر توزيعهم على مشاريع الجيش الاقتصادية، لا العسكرية فقط.
يقول الناشط محمود فتحي "بشكل عام أمازون بيبدأوا كده ديما لكن ده مش آخرهم.  الاحتكار ودبح المنافسين هو اتجاههم ديما .. وماظنش أن الحال هيتغير في مصر بس ممكن يأخذ شوية وقت وحوار الجمارك ده ممكن مايتغيرش بالنسبة ليك كفرد؛ لكن على المدى البعيد أمازون هتدخل منتجاتها والحكومة هتضطر تخفض لهم الجمارك".
ويقول عمر عبد العزيز "هما ليه الدولجيه بيتعاملوا مع أمازون مصر على أساس أننا فتحنا عكا يعني؟ إيه اللي حصل مش فاهم الموضوع هيعود علينا بفايدة إيه غير أن الواحد هيشتري حاجات غالية أكتر؟".
ويقول عباس السيد "مشروع أمازون ده مفيد للعصابة أكتر من الشعب .. هو أساسا مشروع استهلاكي هتضرب بيه اقتصاد بير السلم واقتصاد تجارة فيسبوك في مصر لا أكتر ولا أقل ده غير أنه هيرفع أسعار حاجات في مصر كتير".

الطاغية المنافس
ويترقب خبراء اقتصاديون كيف سيدير العسكر لعبتهم التي تعتمد على الاحتكار والجشع مع شريك عملاق مثل أمازون، ويعد النشاط الاقتصادي الذي تمارسه القوات المسلحة عبر شبكة متنامية من الشركات عاملا رئيسا وراء التخلف البنيوي للاقتصاد المصري في المدى الطويل وعدم استفادته كما ينبغي من الإصلاحات الصعبة والمهمة التي حدثت في السنوات القليلة الماضية.
ويقوم الجيش بدور متضخم في الاقتصاد المصري منذ حقبة الطاغية عبد الناصر، وينافس القطاع الخاص في إنتاج العديد من السلع الاستهلاكية، من المياه المعبأة إلى الأجهزة المنزلية، ومنذ انقلاب عام 2013 صار الجيش أكثر شراسة في مد أطراف إمبراطوريته الاقتصادية.
ولطالما اختار جنرالات الخراب السيطرة والنفوذ بدلا من التقدم والنمو، وقد أفرز ذلك طبقة من الجهات المستفيدة أبرزها الجيش التي لا ترى فائدة في الإصلاحات اللازمة لانتشال البلاد من الفقر، من قبيل تقليل التعقيدات البيروقراطية ووضع لوائح أكثر شمولا واتساقا وتطبيقها بكفاءة وتسهيل الإجراءات الجمركية وتعزيز استقلال القضاء وإخضاع شركات الجيش للضرائب والأعباء التنظيمية نفسها التي تطبق على القطاع الخاص، ومثل تلك الإصلاحات تستوجب التنازل عن بعض السلطات لصالح الشعب.
وفي الوقت الذي تتوسع فيه استثمارات شركة "أمازون" في مصر، يشهد السوق المصري هروب عدد كبير من المستثمرين الأجانب، ورصد نقيب الصحفيين السابق الخبير الاقتصادي ممدوح الولي أقصى تصاعد لخروج استثمارات بلغت 2.156 مليار دولار، في الفترة التي جرت خلالها أحداث الاستفتاء على تعديل الدستور.
وأرجع ذلك الخروج الكبير إلى تأكد بعض الشركات الأجنبية من أن البلاد مقدمة على فترة من عدم الاستقرار نتيجة إغلاق أية أبواب للتغير الديمقراطي لسنوات طويلة، ومن ثم اتجهت للخروج إلى أماكن أخرى أكثر استقرارا.
ويُذكر الولي بما سبق حدوثه عقب الانتخابات البرلمانية عام 2010 التي استحوذ خلالها الحزب الوطني المنحل على أغلبية كاسحة دون نصيب ملموس للمعارضة، فسارعت شركات أجنبية عدة بالخروج من البلاد وثبتت توقعاتها بوقوع ثورة يناير.
ويؤكد الخبير الاقتصادي على ارتباط الاستقرار السياسي والأمني باستمرار الاستثمار الأجنبي بأية دولة، معربا عن توقعاته باستمرار ظاهرة خروج الاستثمارات الأجنبية المباشرة نتيجة الأجواء التي أدت إلى مظاهرات العشرين من سبتمبر 2019 وما أعقبها من اعتقالات.
ولفت إلى أسباب أخرى لخروج الاستثمارات أبرزها استمرار العديد من المعوقات بالبيئة الاستثمارية، وتغول الجيش بالنشاط الاقتصادي على حساب القطاع الخاص، وتراجع القدرة الشرائية لغالبية المواطنين مما خفض من المبيعات وأدى لحالة من الركود بالأسواق، إلى جانب البيروقراطية والفساد، وارتفاع فائدة التمويل بالبنوك مما يزيد من تكلفة المنتجات الأمر الذي يضعف من تنافسيتها سواء بالأسواق المحلية أو الخارجية.
واختتم الولي بنفي صحة حجج مسؤولين بأن الاستثمارات الخارجة أموال ساخنة، موضحا أن الاستثمارات المباشرة تُعنى أساسا بالمشروعات، لكن الأموال الساخنة من أذون الخزانة تنتمي إلى استثمار الحافظة أو ما يسمى الاستثمارات الأجنبية غير المباشرة، وهذه تتضمن أيضا السندات.

Facebook Comments