رغم المآسي التي يتجرعها الفلاح المصري بصورة يومية، والتي لم تعد خافية على أحد بسبب سياسات عبثية يمارسها السيسي ضد الفلاحين، مهملا أبرز وأهم قطاع إنتاجي في مصر مسئول عن غذاء 103 مليون مصري.
ورغم تلك المعاناة، جاءت تهنئة عبد الفتاح السيسي لفلاحي مصر، الخميس في عيدهم الـ69، وجاءت التهنئة مثيرة وبعيدة عن الواقع، حيث وجه تحية للفلاح المصري بمناسبة عيده الوطني، مؤكدا أن "الدولة تُسخّر كافة الإمكانات اللازمة لتوفير حياة كريمة له، مضيفا أن مصر مدينة لجهدهم وعبقريتهم".
وعيد الفلاح المصري احتفال بقرار الضباط الأحرار إصدار قانون الإصلاح الزراعي عام 1952، الذي استهدف إعادة توزيع ملكية الأراضي الزراعية بين الفلاحين قبل 69 عاما.
أوجاع بلا نهاية
الفلاح المصري، والذي عُرف في السابق بصمته وصبره على الأزمات، لم يعد كذلك، فحياته الآن باتت خليطا بالهموم والديون، حاصرته متاعب الدنيا وأرغمته بالتفكير نحو هجرة أرضه، هربا من كثرة الديون التي باتت تلاحقه ليلا ونهارا من كثرة "الديّانة"، فالأرض التي طالما بدر منها الخير أصبحت هي الهم.
فبحسب محمد أبو السيد، فلاح مقيم بالبحيرة "كل شيء راح، نعاني ليل نهار من كثرة الهموم والأزمات، نفكر في هجرة الأرض التي وُلدنا بها من كثرة الديون والهموم التي باتت تلاحقنا حتى في أحلامنا، فكل شيء له طاقة ونحن لم يعد لدينا القدرة على تحمل الأعباء والمشكلات. ويضيف، كل يوم كنا نصبر ظنا بأن الحال قد يتغير للأفضل، لكن مع مرور الوقت وكثرة الغلاء اتضح العكس، فكثرت الهموم والديون وأصبحنا لا نستطيع حتى العيش. مشكلاتنا في كل شيء، أسعار المحاصيل التي نزرعها تُباع ببلاش في حين أن أسعار الأسمدة والبذور مرتفعة جدا، ناهيك عن أزمات الأدوية والمبيدات، حتى مياه الري ورغم أننا في بلد نهر النيل إلا أننا نعاني في ري الأرض، فالترع المجاورة لأرضنا دائما فارغة من المياه، وإذا جاءت تأتي مصطحبة بمياه الصرف الصحي، وحينما نلجأ للمياه الجوفية نظل بالساعات حتى نستخرجها من باطن الأرض رغم تكلفتها العالية ومشقة الحصول عليها".
قانون الري وغرامات بالجملة للمزارعين
وأقر مجلس نواب العسكر القانون المقدم من حكومة الانقلاب بشأن الموارد المائية والري، الذي يفرض غرامات مالية كبيرة على المزارعين مقابل منحهم تراخيص استخدام ماكينات رفع المياه، ويحظر زراعة المحاصيل الشرهة للمياه، وتشغيل المضخات على المساقي المطورة، جراء أزمة نقص حصة البلاد من مياه النيل. بجانب الترخيص باستخدام مياه الصرف الزراعي، والمياه الجوفية شبه المالحة، لتغذية المزارع السمكية الحاصلة على موافقة وزارة الزراعة".
ونص القانون على أن "يُستحق نصف الرسم عند تجديد الترخيص، وإلغاء التراخيص في حالة ثبوت عدم صلاحية المياه المستخدمة لتغير نوعيتها أو لأي سبب آخر. واشتراط الحصول على ترخيص من وزارة الري والموارد المائية، وموافقة وزارة الصحة والسكان في حالة ري المحاصيل الزراعية بمياه الصرف الصحي أو الصناعي المُعالَجة".
كما نص على تحمل مالك الأرض (المزارع) نسبة 10% من قيمة تكاليف إنشاء أو إحلال وتجديد شبكات المصارف المغطاة، أو المصارف الحقلية المكشوفة، أو المساقي المطورة التي تتم بناء على خطة الوزارة، على الرغم من معاناة المزارعين من أوضاع معيشية صعبة بسبب تراجع الصادرات، على خلفية أزمة تفشي جائحة كورونا.
وفرض القانون رسما بقيمة 5 آلاف جنيه مقابل منح المزارع ترخيصا بحفر البئر الجوفي، وآخر بقيمة 200 ألف جنيه مقابل ترخيص ري الأراضي الزراعية الجديدة، ومخرج الصرف لها، شرط أن يصدر الترخيص بمعرفة الإدارة العامة المختصة، وثالثا بقيمة 1250 جنيها كل خمس سنوات، مقابل ترخيص إقامة آلات رفع المياه على المصارف.
ونص القانون على أنه "لا يجوز بغير ترخيص من وزارة الري والموارد المائية إقامة أو تشغيل أي آلة رفع ثابتة أو متحركة تُدار بإحدى الطرق الآلية (الميكانيكية)، أو غيرها لرفع المياه أو صرفها على مجرى نهر النيل أو المجاري المائية أو شبكات الري والصرف العامة أو الخزانات، سواء لأغراض الري أو الصرف أو الشرب أو الصناعة. ويُعفى من هذا الرسم الطلمبات الأقل من 100 متر التي تروي مساحات لا تتجاوز 10 أفدنة".
كذلك فرض القانون رسما بقيمة 500 ألف جنيه مقابل الترخيص بالقيام بأي عمل خاص داخل حدود الأملاك العامة للدولة، ذات الصلة بالموارد المائية مع التوسع في تعريف "حرم النهر" من خلال النص على امتداده حتى 80 مترا خارج خطي التهذيب من جانبي النهر".
أزمات وفساد متزايد
ورغم أزمات الفلاح مع قانون الري، يتواجه بالمزيد من الأزمات، كأزمات تسويق المحاصيل، بجانب فساد المبيدات التي باتت تُصنّع في بير السلم دون رقابة من الحكومة، وغلاء الأسمدة وتعمد الدولة فتح باب الاستيراد في أوقات جني المحاصيل، بشكل مستهدف ما يضاعف أزمات الفلاح، ويفاقم الأمر غياب دور الجمعيات الزراعية والإرشاد الزراعي.
وكانت الدراسة التي أعدتها الدكتورة خديجة فيصل مهدي والباحثة دعاء مهران قد ذهبت إلى أن "مشاكل الفلاح المصري لا تزال تتواصل عبر آلاف السنين وتتمثل في المعاناة من اضطهاد الحاكم والشكوى من رخص أسعار المنتج الزراعي، وتجاهل الحكام لمطالبهم، حيث يعاني الفلاح اليوم من تجاهل الحكومة لمعاناته من نقص الأسمدة وعدم وجود دعم أو تسهيلات تمكنه من اقتناء المعدات الحديثة، وعدم تماشي دورة الري مع متطلباته، ونقص المياه في الكثير من المحافظات التي يمر بها نهر النيل والترع المتفرعة منه".
وهكذا يضيع الفلاح المصري بين سياسات السيسي الفاشلة على المدى الاقتصادي وأزمات المياه والعجز المائي الكبير الناجم عن أزمة سد النهضة.