التهديدات التي أطلقها رئيس الانقلاب عبدالفتاح السيسي، الإثنين 27 سبتمبر 2021م بشأن قطع الدعم التمويني عن المعتدين على أراضي الدولة والترع والمصارف والمرافق المختلفة، والذين بنوا على الأراضي الزراعية حتى إزالة هذه التعديات يمثل شكلا من أشكال البلطجة التي تخالف القانون.
وكان السيسي قد أمر بوقف استفادة المتعدين على أراضي الدولة وأملاكها والأراضي الزراعية والترع والمصارف والمرافق المختلفة من الدعم الحكومي حتى إزالة تلك التعديات. وبنبرة غاضبة، صرح السيسي خلال حضوره احتفال افتتاح محطة معالجة مياه بحر البقر، بأنه يكلف الحكومة والجيش بإزالة جميع التعديات من هذا النوع خلال ستة أشهر، مع حصر بيانات جميع المخالفين والمتعدين لاتخاذ إجراءات عقابية ضدهم. وكلف السيسي وزير الدفاع، الفريق أول محمد زكي، بنزول الجيش لإزالة تلك التعديات إذا لزم الأمر. وادعى السيسي أن نظامه يقوم بعمل أشياء فوق الخيال لصالح المواطنين مهددا بأنه لن يقبل أن يتعدى عليها أي شخص، وعاتب المسئولين بحكومته قائلا: "كنتو فين لما ده كان بيحصل؟ هذا الكلام ممكن يحصل في عصر تاني لكن حاليا غير مسموح به"!
بلطجة تخالف القانون
بسحب خبراء ومحللين فإن تهديدات السيسي تعتبر شكلا من أشكال البلطجة السلطوية التي لا تكترث بالقوانين، حيث ترى مستشارة رئيس الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، هبة الليثي أن إلغاء أي شكل من أشكال الدعم كإجراء عقابي على أي مخالفة، مثل التعدي علي الأراضي الزراعية أو المسطحات المائية، لا يمكن تمريره سوى بتدشين قانون جديد ينصّ على ذلك، أو بإدخال تعديلات على قوانين الدعم، مثل قانوني الضمان الاجتماعي وتكافل وكرامة، بحيث تستحدث تلك التعديلات شرطًا يخص عدم التعدي للحصول على الدعم.
وأوضحت الليثي ــ بسحب موقع مدى مصر ــ أنه في حال إلغاء الدعم بدون قانون في حالة التعديات، ستتمكن الأسر من التظلم ومن ثمّ العودة مرة أخرى لتلقي الدعم الذي كانوا يحصلون عليه. وترى الليثي أن أفقر الفقراء هم مَن يحصلون على الدعم ما يجعل أشكال تعديهم بالتأكيد محدودة، وهو ما يجب أن يدفع الدولة إلى وضع التعديات الكبرى على رأس أولوياتها في مواجهة التعديات على المسطحات مائية وخلافه، بحسب تعبيرها.
ويوضح المتحدث الرسمي باسم وزارة الري، محمد غانم، أنه منذ يناير 2015 إلى الآن أُزيلت 63 ألف حالة تعد على نهر النيل ضمن حملة «إنقاذ النيل» كما أُزيل أكثر من 100 ألف حالة أخرى على الترع والمصارف في الفترة نفسها. أما وكيل وزارة الزراعة بمحافظة القليوبية، حسن زايد، فقال إن التعديات على الأراضي الزراعية بشكل عام هي تحويل نشاطها من الزراعة إلى نشاط آخر، ما يشمل تبويرها أو إقامة أي بناء عليها.
ويكشف زايد أن مديرية الزراعة بالقليوبية تلقت من قبل قرارات مماثلة تُنفذ بالفعل ضد المعتدين على اﻷراضي الزراعية، بناء على قرارات وصلت لمديريات الزراعة ودواوين المحافظات بمنع صرف المستلزمات الزراعية من أسمدة أو مبيدات أو تقاوي ﻷي شخص تحرر الجمعية الزراعية بحقه محضر تعدي.
تداعيات كارثية
وناقش تقرير نشرته صحيفة "العربي الجديد" آثار تهديدات السيسي، وتنقل عن مصدر حكومي ترجيحه تشكيل لجان من الحكومة بإشراف الجيش، لتنفيذ عمليات الرصد على الأرض. ويشير إلى أنه كان من المفترض أن يكون لدى الجيش علم كامل بها أساساً، من خلال الآلية الجديدة لمراقبة المخالفات على مستوى الجمهورية، التي أُعلنت العام الماضي باسم "منظومة البنية المعلوماتية المكانية" التابعة للقوات المسلحة. وهي منظومة أنفقت عليها الدولة مئات الملايين من الجنيهات لشراء صور فضائية شاملة لجميع المناطق المصرية منذ عام 2011 وحتى الآن، من بعض مقدمي الخدمة العالميين، لتتمكن الآلية من رصد تطور المخالفات يوماً بيوم. وينوّه المصدر إلى أن الحكومة لا تملك القدرة على إدارة هذه الآلية، علماً بأنه سبق وطالبت بها الوزارات والأجهزة المعنية بالرقابة على الأراضي، مثل وزارات الإسكان والزراعة والسياحة والعدل، وكان هناك مشروع لإنشائها منذ 6 سنوات لتكون تابعة مباشرة لرئاسة الوزراء. ويكشف أن ما حدث هو شراؤها لحساب الجيش وإسناد إدارتها للهيئة الهندسية للقوات المسلحة، بحجة "ضرورتها لمتابعة تقدم المشروعات القومية التي تنفذها". وهو ما يكرّس الوضعية المتميزة للجيش على حساب باقي جهات الدولة، واستئثاره بامتلاك المعلومات والبيانات الحيوية المهمة لأداء مهام كل جهة.
أما النتيجة الأهم للتوجيه بتدخل الجيش فهي فتح الباب أمام الوجود العسكري الكثيف مرة أخرى داخل القرى والمدن الصغيرة، وسيطرته على قرارات المحافظين والجهات الحكومية المختلفة. وتتماشى هذه الخطوات مع ما حدث في ملف مخالفات البناء، الذي يديره حالياً مساعد وزير الدفاع الفريق أسامة عسكر المقرّب من السيسي، وكذلك بحكم إدارة الجيش الدائمة لمشروعات تطوير المرافق في مبادرة "حياة كريمة".
أما الأثر الثالث فهو عودة الصدام بين النظام والمواطنين، لأن السيسي يستهدف بهذه التصريحات المزيد من جمع الجباية المفروضة على المواطنين في ظل حالة الغلاء والفقر المدقع التي يعاني منها عشرات الملايين من المصريين الذين سقطوا تحت خط الفقر بفعل السياسات النيوليبرالية المتوحشة التي يتبناها نظام السيسي والانصياع لإملاءات صندوق النقد الدولي التي ساهمت في المزيد من الإفقار والضنك. وبالتالي فإن الرسالة الأهم، هي الحرص الشديد على نهب جيوب الناس، باعتبار ذلك هو الباب الوحيد المتاح ــ حاليا ــ أمام النظام لزيادة إيرادات الدولة؛ فكلما ضاقت الأزمة المالية والاقتصادية على السيسي لا يجد سوى جيوب المصريين ليغرف منها ما يشاء لتوفير احتياجات النظام خوفا عليه من السقوط؛ ولذلك فإن سر غضب السيسي وانفعاله الشديد أن النظام يعاني من ورطة شديدة لعدة أسباب أبرزها تراجع إيرادات الدولة مع انهيار قطاع السياحة وتعليق النشاط الاقتصادي المحلي والدولي بسبب تفشي جائحة كورونا منذ بداية 2020م
السيسي يريد بهذه القرارات أن يضع الجيش في صدام مباشر مع الشعب؛ فالمشير لم يعرف بقيادته لأي معركة حربية ضد عدو البلاد (إسرائيل) وكل حروبه إنما استهدفت صدور المصريين ومنح نفسه على هذه الجريمة ترقيته "مشير" وهي الرتبة التي لا تمنح إلا للقائد العسكري الذي خاض حربا ضد العدو وانتصر فيها. وللأسف فإن المؤسسة العسكرية التي قبلت أن تكون أداة السيسي في اغتصاب الحكم بانقلاب عسكري ، لا تزال حتى اليوم ترضى بأن تكون أداته وأداة شلته في سحق الشعب لضمان بقائه في السلطة رغم الفشل المركب في جميع قطاعات الدولة.