بعد مرور تسعة أسابيع على قراراته الاستثنائية، كلّف الرئيس التونسي قيس سعيّد أستاذة الجيولوجيا نجلاء بودن بتأليف حكومة جديدة من المنتظر أن يتم الإعلان عن تشكيلها قريبا، ويتوقع أن تشغل النساء فيها أكثر من نصف المقاعد. 

وفي رسالة للخارج، جاء اختيار سعيد لامرأة لقيادة الحكومة المأزومة بإجراءته غير الشرعية أساسا، للمرة الأولى في تاريخ تونس وأيضا في العالم العربي، تحظى امرأة بتولي هذه المسؤولية، إلى جانب ما حصلت عليه من حقوق.

لكن رغم أهمية الحدث؛ إلا أنه لم يحجب الأزمة السياسية والدستورية التي لا تزال تعصف بالبلاد، وبقي سعيّد مُطالبا بالعودة إلى الشرعية، وتقديم خريطة طريق، واستئناف التجربة الديمقراطية.

 

أستاذة جامعية بدون خبرة سياسية 

نجلاء بودن أستاذة جامعية مختصة في الجيولوجيا، ومسؤولة سابقة في وزارة التعليم العالي، وجه جديد يقتحم برغبة من رئيس الجمهورية عالم السياسة من أوسع أبوابه، على الرغم من أنه لم يسبق لها أن شاركت في الحياة العامة، وهو ما جعل منها شخصية تكنوقراط بامتياز.

رغم حجم الأزمة الكبرى التي تعيشها البلاد، راهن سعيّد على هذه السيدة المعروف عنها الانضباط الإداري والخبرة في مجال اختصاصها، ومما شجعه على اتخاذ مثل هذا القرار، عامل الثقة في أن تكون مخلصة له، بعد أن قبلت بالعمل تحت رئاسته، إضافة إلى كونها بعيدة كل البعد عن دوائر الأحزاب وبالأخص حركة النهضة وحلفائها.

لا يعرف أحد عمر الحكومة المقبلة، فهي حكومة مؤقتة يفترض أنها ستنتهي بنهاية الأحكام الاستثنائية غير المقيّدة بسقف زمني واضح.

هذا الأمر سيجعلها عمليا غير قادرة على الشروع في رسم خطة إستراتيجية طويلة المدى من أجل إنقاذ البلاد وإصلاح أوضاعها المريضة،  فحكومة بودن ستكون أقرب إلى حكومة تسيير أعمال منها إلى حكومة إنقاذ حقيقية.

ووفق مراقبون، ستكون رئيسة الحكومة محاصرة بأربعة تحديات كببرة.

 

"سعيد" رئيس الوزراء الفعلي 

التحدي الأول يتمثل في الرئيس سعيّد نفسه الذي سيكون رئيس الحكومة الفعلي، في حين أن بودن ستلعب دور الوزير الأول المنسق بين الوزارات، لا تستطيع أن تتجاوز تعليمات الرئيس، وستبقى خلال قيامها بوظيفتها مقيّدة في حركاتها داخل المساحة المحددة لها، في حين أن الوضع العام في البلاد يفرض وجود شخصية مسؤولة عن أفعالها، حتى تتمكن من اتخاذ الإجراءات الصعبة، وتكون قادرة على تنفيذها ومتابعتها.

أما التحدي الثاني الذي ستصطدم به رئيسة الحكومة المكلفة، فيتمثل في إثبات شرعيتها وشرعية حكومتها أو حكومة الرئيس، فالجدل متواصل حول هذه المسألة، إذ تؤكد أطراف عديدة في المعارضة على أنه من دون عودة البرلمان ومنح أغلبية النواب ثقتهم لبودن، فإنها تبقى من وجهة نظرهم فاقدة للشرعية وغير معترف بها من قبل جزء هام من المعارضة.

لهذا اعتبرها رئيس حزب التيار الديمقراطي، غازي الشواشي الذي كان مؤيدا لرئيس الجمهورية "رئيسة حكومة فاقدة لكل الشرعيات".

 

القسم على الدستور المعلق 

في السياق ذاته، وجه سمير ديملو النائب المجمد والقيادي المستقيل من حركة النهضة سؤالا إنكاريا إلى بودن قائلا: "أي قَسَم ستؤديه؟ هل هو القَسَم المنصوص عليه في الفصل 89 من الدستور المعلق، والذي ينص على احترام الدستور؟ أم القَسَم المتلائم مع أحكام الأمر عدد 117 لسنة 2021 المتعلق بالتدابير الاستثنائية، الذي سيجعلها تقسم على أن تحترم توطئة الدستور ما عدا تسمية الثورة، والبابين الأول والثاني وكل ما لا يتعارض منه مع أحكام هذا الأمر"، والأمر 117 لسنة 2021 هو الذي أصدره سعيد ومؤرخ في 22 سبتمبر 2021، ووصفه معظم خبراء القانون الدستوري بـ"الدكتاتورية الدستورية".

 

قررات مهمة من المعارضة 

قررت أطراف هامة من المعارضة، التي تعتبر حركة النهضة حزبا فاعلا فيها، مواصلة التحرك على صعيدين:

– الأول استعمال ورقة الشارع لمزيد من الضغط على رئاسة الجمهورية، وتمت الدعوة إلى تجمع ثالث الأحد الماضي، ويتوقع أن يكون هذا التحرك تصعيديا وأكثر جماهيرية من الوقفتين السابقتين أخيرا في تونس العاصمة وفي عدد من ولايات الجمهورية.

– أما الصعيد الثاني، فيتمثل في محاولة دخول البرلمان من قبل عدد واسع من النواب للتشاور حول وضع تصور للخروج من الأزمة الحالية.

ويفترض أن تأخذ رئيسة الحكومة الجديدة بعين الاعتبار هذه التحركات الاحتجاجية المهمة؛ هل ستواجهها أم تغض الطرف عنها، رغم أن عودة الحياة إلى البرلمان تبدو مسألة غير واردة من وجهة نظر رئيس الجمهورية.

واللافت للنظر في هذا السياق، هو قرار المؤسسة العسكرية أخيرا سحب مدرعاتها من محيط البرلمان بما في ذلك المدرعة التي وضعت قبالة البوابة الرئيسية لمبنى مجلس النواب.

ولا تُعرف حتى الآن الأسباب التي تقف وراء هذا القرار، الذي فتح المجال لتأويلات متعددة، إذ ربطه البعض باللقاء الذي جمع قائد القيادة العسكرية الأمريكية في إفريقيا (أفريكوم) الجنرال ستيفان تونساند برؤساء أركان الجيش التونسي، الثلاثاء الماضي بعد أن كان التقى بكل من الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، ورئيس الحكومة الليبية عبد الحميد الدبيبة.

 

ملفات ضخمة 

إلى ذلك، يتمثل التحدي الثالث الذي يحيط بحكومة بودن، في حجم الملفات الضخمة التي ستجدها مطروحة فوق مكتبها بمقر رئاسة الحكومة الذي يفتح أبوابه بعد غلق استمر سبعين يوما للمرة الأولى في تاريخ البلاد.

فالوضع الاقتصادي كارثي، والأزمة المالية على أشدها، كما أن الاتحاد العام التونسي للشغل ينتظر بفارغ الصبر لكي يطالب بإطلاق المفاوضات الاجتماعية وتنفيذ الاتفاقيات التي عُقدت مع الحكومات السابقة بحكم استمرارية الدولة.

فقيادة الاتحاد هيأت نفسها لممارسة جميع أشكال الضغط المباشر وغير المباشر من أجل تحقيق مكاسب منظوريها من عمال وموظفين، كما أن بودن مدعوة في المقابل إلى طمأنة رجال الأعمال الذين يعيشون منذ أكثر من شهرين حالة خوف وانكماش نتيجة بعض الإجراءات التي جعلتهم يشعرون بكونهم مستهدفين في ظل المنعرج الذي دخلته البلاد على أثر إعلان سعيّد الحرب على الفساد والفاسدين.

 

دور الأطراف الدولية

أما التحدي الرابع، فيخص الأطراف الدولية ذات المصالح الكبرى في تونس، فالحكومات الغربية قدرت الخطوة الرمزية التي أقدم عليها سعيّد عندما عيّن سيدة على رأس الحكومة في منطقة عربية لا تزال فيها النساء فاقدات للكثير من الحقوق، غير أن هذه الحكومات اعتبرت ذلك غير كاف من وجهة نظرها.

فالمستشارة الألمانية أنغيلا ميركل تحدثت مع الرئيس سعيّد هاتفيا، وذكرته بضرورة العودة إلى المسار الديمقراطي بما في ذلك مؤسسة البرلمان، وأيضا فتح حوار مع القوى السياسية الفاعلة في تونس، هذا الموقف في الحقيقة هو موقف الاتحاد الأوروبي، إلى جانب الولايات المتحدة الأميركية، وذلك وفق ما يذهب إليه الناشط التونسي صلاح الدين الجورشي.

ولعل الاستمرار في سياسات التعطيل من قبل سعيد والاستمرار في الاجراءات الاستثنائية يجفع التونسيين نحو دوائر من الفقر والكبت والانفجار الشعبي غير المتوقع في المرحلة المقبلة.

Facebook Comments