يحاول جنرال الخراب عبد الفتاح السيسي طمس الهوية الإسلامية للشعب المصري، فبعد مقابر المماليك بمصر، وصل بلدوزر الخراب العسكري إلى حي السيدة نفيسة أحد أحياء القاهرة القديمة الشعبية، وأظهرت لقطات أعمال إزالة لمبان سكنية وعقارات قديمة، بدعوى اختصار الوقت إلى العاصمة الإدارية الجديدة وتوفير 30 دقيقة من زمن الوصول.
وتضم المنطقة المزمع هدمها العديد من المقابر التاريخية والآثار الإسلامية التي يعود تاريخها لنحو خمسة قرون، والمصنفة ضمن التراث العالمي من قبل منظمة اليونسكو، ويتم حاليا هدمها من قبل عصابة الانقلاب بدعوى تطوير المنطقة واستكمال ما يعرف بـ”محور الفردوس”.
ابن اليهودية..!
تعاني العديد من المواقع الأثرية الإسلامية في القاهرة من إهمال حكومي متعمد يعرضها للتلف والسرقة وهدر ثروة قومية، ومع تراجع السياحة بشكل غير مسبوق، جفت أهم منابع تمويل ترميم تلك الآثار وحمايتها.
وكانت عصابة الانقلاب قد أقدمت في السنوات الماضية وفي ظل انقلاب السفاح السيسي على ترميم معابد يهودية رغم أن الصلاة اليهودية لن تقام فيها نظرا لعدم وجود النصاب الكافي وهو عشرة أشخاص بالغين، وفق ما ذكرت صحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية.
كما أولت عصابة السفاح السيسي اهتماما لافتا بترميم وتنظيف مقابر يهودية وتم ذلك تحت إشراف اثنين من الحاخامات اليهود قدما للتأكد من أن عملية التنظيف تمت طبقا للشرائع اليهودية، وفق ما ذكرت صفحة إسرائيل بالعربية على موقع تويتر العام الماضي.
من جهتها تقول الباحثة جليلة القاضي "جبانة السيدة نفيسة المزمع إزالتها جزئيا، من أجل توفير نصف ساعة في الرحلة، لمدة سنوات تعد على أصابع اليد الواحدة، تقع داخل نطاق القاهرة التاريخية بالكامل، يعني مسجلة وضمن التراث العالمي، لكن في بلد الدستور حبر على ورق والتسجيل حبر سري".
وتضيف: "وهي جزء من القرافة الكبرى، المعروفة حاليا بالإمام الشافعي، المنشأة من ألف و أربع مائة و خمسين عاما، وتضم مدافن آل البيت السيدات نفيسة و رقية وسكينة وعاتكة والجعفري بالإضافة لقبة أم الملك الصالح و قبة الأشرف خليل و ضريح شجرة الدر و قبة موفي الدين و ضريح الخلفاء العباسيين".
وتستطرد: "بالإضافة لأحواش الأعيان التي تم رصدها إلى الآن، كأمير الشعراء أحمد شوقي و المؤرخ الجبرتي، قرافات القاهرة مش مجرد مقابر، هذه صفحات على الأرض تحكي تاريخها القديم والحديث، وسير أعلامها وتظهر عمارتها الجنائزية بثرائها و تنوعها و تفردها، كنوز مهددة بالفناء لن تُستعاد".
شطب الهوية
استمرارية عصابة الانقلاب في تعظيم وتضخيم التاريخ الفرعوني، لإقصاء الهوية الإسلامية العربية لفت أنظار المراقبين، وأكد أن هناك محاولة خطيرة ترمي إلى ردة العالم الإسلامي إلى كيان وهمي قديم، وإعطائه صفة الاستمرار التاريخي تحت اسم حضارة السبعة آلاف سنة الفرعونية.
ربما يرى البعض هذا الحديث عن صراع الهوية بين الإسلام والفرعونية على أرض مصر، مبالغة تفتقر للرشد والعقل، وضربا من الوقوع تحت أسر نظرية المؤامرة، لكن الشواهد التاريخية والواقعية، تفرض طرح هذه القضية، من دون الالتفات إلى المشككين، حتى إن كانت مبالغة، فهي مبالغة محمودة، وقرع لأجراس الخطر تنبيها واتقاء للشرور.
من جهته أكد الدكتور رفيق حبيب، في دراسة سابقة له عنوانها "اعترافات قائد الانقلاب.. الهوية الإسلامية مرفوضة" أن الانقلاب العسكري الخشن يريد فرض علمنة وعسكرة الدولة ضد إرادة أغلبية المجتمع ذات المرجعية الإسلامية، وأن الانقلاب يحمل نفس تخوفات الغرب ورؤيته الرافضة لتحرير الإرادة الشعبية والمستهدفة منع تشكل أنظمة ديمقراطية دستورية تستند للمرجعية الإسلامية بعد ثورات الربيع العربي، وأن مصالحها هي في فرض نموذج الدولة العلمانية القومية لمنع نهضة قد تنجح في تأسيس نموذج حضاري لاتحاد إسلامي منافس للغرب ويهدد هيمنته.
وكشف د.حبيب أنه "في أول حوار للسفاح السيسي مع صحيفة واشنطن بوست، يزعم أنه يرى أن أعضاء جماعة الإخوان المسلمين أكثر ولاء لمعتقداتهم الإسلامية من ولائهم لمصر؛ حيث قال "المعضلة بين الرئيس السابق مرسي والشعب تنبع من مفهوم الإخوان المسلمين للدولة، والأيديولوجية التي تبنوها لبناء دولة تعتمد على استعادة الإمبراطورية الإسلامية الدينية، وهو ما لم يجعله -محمد مرسي- رئيسا لكل المصريين، ولكن رئيسا يمثل أتباعه ومؤيديه".
وواصل السيسي الكذب قائلا: "الفكرة التي تجمعهم -الإخوان المسلمين- ليست القومية، وليست الوطنية وليست الإحساس بالوطن ولكنها الأيديولوجية التي ترتبط كليا بمفهوم التنظيم".
ومعنى هذا -برأي د.حبيب- أننا "أمام خلاف أيديولوجي بين قادة القوات المسلحة، ورئيس الجمهورية المنتخب الشهيد محمد مرسي؛ أدى إلى انقلاب عسكري، وتلك هي المشكلة وجوهر الأزمة، ولن تحل أزمة الانقلاب العسكري قبل أن تحل الأزمة الأيديولوجية بين قادة القوات المسلحة -أو بين مؤسسة الجيش- وبين تيار سياسي واسع هو التيار الإسلامي".
وتحت عنوان رسائل الاعتراف اعتبر د.حبيب أن "أهم رسالة في هذه التصريحات هي أن الرئيس الشهيد محمد مرسي لم يكن رئيسا لكل المصريين؛ لأنه يتبنى الهوية الإسلامية ولهذا فإنه يمثل مَن يحمل الهوية الإسلامية، ولا يمثل مَن يحمل الهوية القومية العلمانية، ولكن هذا ما سيحدث أيضا إذا فاز رئيس يحمل الهوية القومية العلمانية؛ لأنه لن يكون أيضا رئيسا لكل المصريين، رغم أن رؤيته القومية العلمانية سوف تجد رضا من قيادات القوات المسلحة، ولكن هذا لا ينفي أنه سيكون معبرا عن الكتل المؤيدة للهوية القومية العلمانية دون الكتل المؤيدة للهوية الإسلامية".
كما أن "قائد الانقلاب نفسه -الذي أعلن في خطاب إعلان الحرب الأهلية أنه اختلف مع الرئيس حول مفهوم الدولة والوطن ومع مشروع جماعة الإخوان المسلمين ومع الدين لدى الجماعة- أكد أنه يحمل هوية قومية وطنية خالصة لا ترتبط بالهوية الإسلامية، مما يعني أنه يحمل هوية قومية علمانية؛ أي أن قائد الانقلاب لا يعبر عن كل المجتمع المصري، بل يعبر عن الكتل العلمانية ولا يعبر عن الكتل الإسلامية، وهو ما يؤكد أن الانقلاب انتصر لفريق من الوطن ضد فريق آخر، وجعل القوات المسلحة تقف مع الكتل المؤيدة للهوية القومية العلمانية ضد الكتل المؤيدة للهوية الإسلامية".